Beirut weather 22.43 ° C
تاريخ النشر May 19, 2026
A A A
ترامب يلوح بالحرب ويفتح التفاوض
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

يتعامل المحللون والمتابعون مع المشهد الراهن بين طهران وواشنطن، لا سيما في ظل التهديدات المتجددة من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، باعتباره معضلة استراتيجية معقدة ذات أبعاد متعددة. حيث إن حديث ترامب عن عملية عسكرية كانت على وشك التنفيذ وتم تأجيلها بناءً على طلبات خليجية، يفتح الباب أمام تحليلات متناقضة لخيارات الحرب والتفاوض، وبسبب مواصفات شخصية ترامب الذي يكثر من الكلام ويكثر من التهديد ويخاطر أحياناً خارج المعقول، لا تكفي مراجعة دقيقة للوقائع والأرقام وآراء المحللين الكبار لربط المعلومات وتقديم استنتاج منطقي يخدم فهم الموقف.

إن الفرضية الأساسية التي يمكن البناء عليها هي أن كلا المسارين، الحرب والتفاوض، يحمل في طياته مجازفات ونتائج جسيمة، وأن أي قرار في هذا الشأن لا يمكن أن يُتخذ بمعزل عن حسابات دقيقة للأثمان والفوائد المحتملة على جميع الأطراف، وبشكل خاص على الأمن الاقتصادي والاستراتيجي للمنطقة والعالم. ترامب، كشخصية سياسية بارزة ذات تاريخ في اتخاذ قرارات غير تقليدية، يقدم هنا بعداً إضافياً للتعقيد. عندما يشير إلى عملية عسكرية مؤجلة بطلب خليجي، فهو لا يهدد إيران فحسب، بل يشير إلى وجود تشاورات أمنية وتنسيق استراتيجي مع دول الخليج، وأن هذه الدول قد تكون مستعدة لتقديم دعم لوجستي أو سياسي لأي عمل عسكري، ولكنها في الوقت نفسه تسعى لتجنب دفع الثمن الأكبر للحرب. هذا التناقض الظاهري بين الاستعداد للضربة وتجنب التبعات هو جوهر التعقيد.

لننظر إلى واقع الحرب أولاً. إن السيناريو العسكري، مهما بدا جذاباً لبعض الأطراف، يحمل في طياته تدميراً شبه مؤكد للبنية التحتية النفطية في الخليج، كما تقدر مصادر وكالة الطاقة الدولية أن مضيق هرمز يمر عبره حوالي 21 مليون برميل نفط يومياً، وهو ما يمثل نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وتعطيل هذا الممر الحيوي، حتى لو كان مؤقتاً، سيؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، قد تتجاوز 200 دولار للبرميل، وفقاً لتحليلات بنك مورغان ستانلي. هذا الارتفاع الجنوني سيؤدي حتماً إلى تضخم عالمي حاد، وتوقف جزئي للصناعات التي تعتمد على الطاقة، وانهيار في الأسواق المالية، ما لم تكن هناك حلول سريعة ومستدامة. لم تتردد إيران في التلويح بهذا الخيار كسلاح ردع، معلنة أن وقف صادرات نفطها يعني توقف كل صادرات نفط المنطقة، وتدمير منشآت الطاقة الكهربائية الإيرانية يعني تعميم العتمة في المنطقة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الحرب لن تقتصر على تعطيل تدفق النفط، بل ستطال منشآت إنتاج وتكرير النفط والغاز في دول الخليج، وهذا سيؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة تفوق بكثير أي مكاسب استراتيجية متوقعة. لا ننسى أيضاً أن “إسرائيل”، كطرف مباشر في الصراع، ستكون هدفاً لآلاف الصواريخ من مصادر متعددة، مما سيضعها في مواجهة مباشرة مع قدراتها الدفاعية والردعية. تقديرات المحللين الأمنيين في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تشير إلى أن الحرب الشاملة ستؤدي إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة تلحق بـ”إسرائيل”، قد تفوق ما شهدته في الحروب السابقة.

من ناحية أخرى، يمثل التفاوض، على الرغم من صعوباته وتعقيداته، المسار الذي يبدو أكثر منطقية على المدى الطويل، وإن كان بطيئاً ومتعرجاً. حيث إن الحرب مهما كان حجم ما سوف تلحقه بالمتحاربين لن تسقط أحداً منهم أو تدفعه للاستسلام، خصوصاً إيران، وبالتالي فإن الحرب تصبح أداة تفاوض ويصبح التفاوض مخرجاً حتمياً من الحرب، ونتيجة طبيعية لها، فلم لا يكون التفاوض دون الوقوع بخسائرها الكارثية التي قد تخرج عن السيطرة؟ وها هي الاتصالات تجري عبر بقاء وزير الداخلية الباكستاني في طهران لثلاثة أيام، واللقاءات ليست مجرد لقاءات روتينية، بل هي مؤشرات على وجود جهود حثيثة لصياغة تفاهمات. عندما يتحدّث مسؤولون إيرانيون مثل عراقجي عن “تفاهم حول المبادئ الرئيسية” مع الولايات المتحدة، فهذه ليست لغة تفاوض عادية، بل هي لغة تشير إلى قرب الوصول إلى إطار عمل تم الاتفاق عليه مسبقاً. الهدف المعلن هو “اتفاق عادل”، وهو ما يعكس رغبة في حل الأزمة بطرق دبلوماسية، حتى لو كانت هناك “رسائل متناقضة” تصدر من واشنطن، كما يصفها المسؤولون الإيرانيون، ولعل آخر كلام ترامب عن تفاوض هام يجري في الساعات الأخيرة دليل على ذلك.

خيارات الحرب والتفاوض ليست متناقضة تماماً، بل قد تكون متداخلة. قد يكون التهديد بالحرب، وهو ما يمثله حديث ترامب، أداة للضغط نحو التفاوض. والمفاوضات الجارية، مدعومة بجهود وسطاء مثل الصين التي تستضيف لقاءً هاماً اليوم يجمع الرئيسين الصيني والروسي شي جينبينغ وفلاديمير بوتين، يبدو أنها المستهدفة برسائل الحرب واستدراج عروض التفاوض، خصوصاً أن ترامب العائد من الصين لن يذهب للحرب بعدها فوراً، وهو الذي يبدو أنه يخفض سقوف التفاوض كما يعني القبول بمراحل تبدأ بإنهاء الحرب وتنتهي بالتفاهم على الملف النووي، وفق اتفاق إطاري يحدّد قضايا التفاوض ومنهجية مقاربتها، واللافت أن إنهاء الحرب على لبنان صار موضوع اتفاق بين إيران وأميركا، وبقيت التفاصيل التي يريد الأميركي ربطها بمسار التفاوض الجاري في واشنطن، بعدما قبل بتحييد ملفي البرنامج الصاروخي والعلاقة بالحلفاء عن طلباته من إيران كشرط للاتفاق، وإعلانه وهو عائد من بكين أنه يقبل اتفاقاً تتعهد فيه إيران بتجميد تخصيب اليورانيوم لعشرين سنة، وإذا كان هذا غير مقبول من إيران إلا أن فكرة التجميد بدلاً من الإلغاء اقتراب من أرضية تفاوضية معقولة للتفاهم على المدة.

على صعيد موازٍ مع انقضاء الشهر الافتراضي لانهيار إيران بسبب الحصار على موانئها، كما توقعت الدوائر الأميركية، وظهر أن تقديراتها بعيدة كلياً عن الواقع الذي بدت المخابرات الأميركية أقدر على مقاربته، وقالت إن إيران تتحمل ستة أشهر من الحصار والوقت يعمل لصالحها، كما قالت إن مخزونها الصاروخي صالح للاستخدام وبكميات تمثل أكثر من 70% مما كان قبل الحرب مقابل 90% من مخازنها ومخابئها تحت الأرض وفي بطون الجبال، ما يجعل الرهان على انهيار إيران عسكرياً أو اقتصادياً مجرد أوهام ويمنح التفاوض دفعاً وزخماً.