Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 1, 2026
A A A
بين مسار إسلام آباد والتوغل الصهيوني البري: المقاومة تكتب السطور الأخيرة للتسوية

كتب حسن حردان 

تعيش جبهة جنوب لبنان واحدة من أدق مراحلها وأكثرها تعقيداً منذ بدء العدوان الصهيوني؛ إذ تشهد التطورات الراهنة تزامناً لافتاً، وخطيراً في آنٍ معاً، بين تصعيد بري وجوي غير مسبوق على الأرض، وتحركات دبلوماسية رفيعة المستوى تجري خلف الكواليس في أروقة واشنطن والبنتاغون. هذا التلازم يعكس حقيقة واضحة: الميدان لم يعد مجرد ساحة اشتباك عسكري منعزل، بل بات المحرك والمغذي الأساسي لطاولات التفاوض، وشروط الاتفاق الذي يجري إنضاجه.

الأهداف العسكرية والسياسية لتوسيع العدوان: التفاوض تحت النار

تحاول القيادة الصهيونية، عبر استعجال توسيع رقعة عملياتها وتوغلها البري، استغلال الهامش الزمني المتاح لتحقيق جملة من الأهداف المترابطة:

على الصعيد العسكري: يسعى جيش الاحتلال إلى تجاوز خطوط الحافة الأمامية والاندفاع نحو الخط الدفاعي الثاني لفرض حزام أمني بحكم الأمر الواقع، ومحاولة إفراغ القرى والبلدات الاستراتيجية جنوب نهر الليطاني لضمان حرمان المقاومة من أيّ بنية عسكرية ارتكازية مستقبلية.

على الصعيد السياسي: يتّبع بنيامين نتنياهو استراتيجية “التفاوض تحت النار” كأداة ضغط مفرط على السلطة اللبنانية. الهدف هو دفع المسؤولون اللبنانيون نحو القبول بإملاءات وشروط قاسية تتجاوز الصياغة الأصلية للقرار 1701، لا سيما ما يتعلق بآليات التحقق الدولية، وتفويض القوات المنتشرة بصلاحيات واسعة تقيد السيادة اللبنانية.

التوقيت الحرج: كواليس واشنطن وظلال التفاهم الأميركي ـ الإيراني،

لا يمكن فصل الهستيريا العسكرية الصهيونية الحالية عن التوقيت السياسي الحساس على الساحة الدولية، وتحديداً معطيات مسارين متوازيين:

قرب التوقيع على الاتفاق الأميركي ـ الإيراني: مع وصول “مسار إسلام آباد” والوساطات الإقليمية إلى مراحل متقدمة لصياغة تفاهمات تشمل ملفات إقليمية حيوية، يسابق نتنياهو الزمن لقطع الطريق على أيّ إنهاء للحرب على كلّ الجبهات. تخشى تل أبيب أن تفرض إدارة ترامب اتفاقاً شاملاً يبرد الجبهات بشروط لا تضمن “الأمن الكامل والشامل” لشمال فلسطين المحتلة، لذا يأتي التصعيد لرفع كلفة التمسك بالخيارات الحالية ومحاولة إضعاف أوراق القوة التي تملكها طهران قبل التوقيع النهائي.

مفاوضات البنتاغون الأمنية: إن انطلاق المحادثات الأمنية والعسكرية المباشرة في واشنطن برعاية أميركية يفسّر الهروب الصهيوني نحو التوغل البري الأعمق. يسعى الوفد الإسرائيلي المفاوض للجلوس إلى الطاولة مستنداً إلى وقائع جغرافية جديدة على الأرض، كي يفرض على الجانب اللبناني شروطه السياسية والأمنية.

عقدة “قلعة الشقيف”: الهروب إلى الرمزية وصناعة “صورة النصر”،

في هذا السياق، تبرز خطوة نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس باستعجال احتلال “قلعة الشقيف”، متجاوزين حسم المعارك العنيفة والمستمرة في زوطر الشرقية ويحمر الشقيف، كحدث يحمل دلالات استراتيجية ونفسية بالغة الأهمية:

تكتيك الالتفاف العسكري: من الناحية الميدانية، لجأ الاحتلال لتكتيك القفز والالتفاف فوق العقد الدفاعية الحصينة لبلدتي يحمر وزوطر بعد أن عجز عن حسم معركتهما مباشرة، محاولاً الإمساك بالنقطة الطبوغرافية الأكثر ارتفاعاً (القلعة) للإشراف بالنيران على محاور الإمداد وخطوط دفاع المقاومة في كامل المنطقة المحيطة بالنبطية ومرجعيون.

تصدير الإنجاز للداخل الإسرائيلي: تحمل قلعة الشقيف إرثاً نفسياً وتاريخياً ثقيلاً في الوجدان الجمعي الصهيوني ارتبط بحرب 1982 والانسحاب عام 2000. إنّ استعجال رفع العلم الإسرائيلي فوق أسوار القلعة التاريخية ليس سوى محاولة بائسة لبيع “صورة نصر رمزية” للمجتمع الصهيوني وللمستوطنين النازحين، بهدف التعمية على الفشل في تحقيق الحسم العسكري المطلق والتغطية على استمرار النزيف اليومي لقوات النخبة الصهيونية في شوارع البلدات والقرى الجنوبية.

ورقة ابتزاز تفاوضية: سعي نتنياهو الى السيطرة على القلعة هدفه استخدامها ورقة ضغط في مفاوضات البنتاغون؛ والرسالة هنا للوفد اللبناني: “لقد وصلنا إلى القلعة المشرفة على النبطية وما بعد الليطاني، وأيّ حلّ سياسي لن يخرجنا منها إلا بقبولكم بالترتيبات الأمنية المفروضة.

دلالات عمليات المقاومة: صمود المحاور ومعادلة قصف المستوطنات

أمام هذه الاندفاعة الصهيونية، تأتي الكثافة النارية والعملياتية الاستثنائية للمقاومة لتعيد صياغة حقائق الميدان وتجهض أوهام الاحتلال:

صلابة الخط الدفاعي الثاني: إن ضراوة الاشتباكات وإيقاع القوات المتوغلة في كمائن محكمة في بلدان حداثا، الغندورية، زوطر الشرقية، ويحمر الشقيف إلخ… واستمرار تدمير دبابات الميركافا واستهداف تجمعات العدو بالمُسيّرات الانقضاضية، يثبت أنّ البنية الدفاعية والقيادية للمقاومة في هذه الجغرافيا الحاكمة لا تزال بكامل جهوزيتها وتماسكها، وأنّ السيطرة الفعلية المستقرة للاحتلال على هذه القرى مفقودة تماماً.

ثبات معادلة الردع: إنّ استمرار تدفق الرشقات الصاروخية المكثفة واليومية على مستوطنات الغلاف وعلى رأسها كريات شمونة، ونهاريا ومسكاف عام والمطلة، يوجه صفعة قوية للبروباغندا الصهيونية. هذا القصف المتواصل يثبت للقاصي والداني أنّ توغل جيش الاحتلال لأمتار أو كيلومترات، أو حتى وقوفه فوق تلة رمزية كقلعة الشقيف، لم ولن يحقق هدف “تأمين أمن الشمال”، وأن أمن المستوطنين المقيمين وعودة النازحين منهم لن تتمّ عبر الإملاءات العسكرية، بل بقبول الاحتلال بشروط لبنان السيادية.

خلاصة القول: إنّ المشهد في جنوب لبنان يمرّ بمرحلة حرب استنزاف متبادلة حاسمة في الأمتار الأخيرة التي تسبق الاتفاق الاقليمي. يسعى العدو عبر اندفاعته الرمزية نحو قلعة الشقيف وتوسيع عدوانه لتعزيز أوراقه التفاوضية قبل سريان مفاعيل أيّ تفاهم أميركي ـ إيراني مرتقب. لكن صمود المقاومة في محاور المواجهة وتكثيف عملياتها ضدّ مواقع وتجمع قوات الاحتلال قي القرى المحتلة واستمرارها في دك المستوطنات بالصواريخ يرسمان حداً صلباً أمام طموحات وأحلام قادة العدو. أنّ السطور الأخيرة للتسوية لن تُكتب إلا بمداد السيادة اللبنانية الكاملة التي يعمدها المقاومون بدمائهم على تراب الجنوب…