Beirut weather 31 ° C
تاريخ النشر September 2, 2026
A A A
بعد استنفاد اتفاق الإطار وظيفته.. كلمة سواء لمنع الفتنة!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

في وقت تتداخل فيه المفاوضات مع التصعيد الميداني، ويبقى الجنوب اللبناني مفتوحًا على احتمالات شتى، يبدو أن السؤال لم يعد مرتبطًا فقط بما يمكن أن تحققه جلسات التفاوض، بل بمن يمتلك القدرة على ترجمة أي تفاهم إلى واقع على الأرض.

لبنان يستمر في المفاوضات بقرار سياسي رسمي، فيما القرار الميداني موجود في مكان آخر، وهذه الازدواجية لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، خصوصًا أن إسرائيل تواصل احتلالها واعتداءاتها، فيما يبدو “اتفاق الإطار” قد استنفذ وظيفته بعدما حصلت إسرائيل منه على ما تريد، بينما لا يزال لبنان يحاول إنعاشه وإعادته إلى مساره.

واللافت أن إسرائيل، خلال الجلسات السبع التي جرت في إطار المفاوضات، تمكنت، بحسب المعطيات والوقائع الميدانية، من تثبيت الكثير مما كانت تطمح إليه، سواء لجهة تكريس احتلالها في المنطقة الصفراء أو فرض معادلات أمنية جديدة، وصولًا إلى محاولة انتزاع التزامات من الدولة اللبنانية لم تتمكن من الحصول عليها خلال الحرب أو طوال سنوات معادلة الردع التي كانت قائمة بينها وبين المقاومة.

هذا الواقع يطرح سؤالا مشروعا هو: ما جدوى الذهاب إلى جلسات تفاوض جديدة بالآلية نفسها، فيما الاحتلال مستمر، ووقف إطلاق النار لم يتحول إلى واقع ثابت، والاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف؟، علما أن المعطيات تشير إلى أن إسرائيل لم تعد مهتمة بعقد المزيد من الجلسات.

المشكلة الأساسية، في هذا السياق، تكمن في انفصال القرار السياسي عن القرار الميداني. فلبنان الرسمي لا يستطيع وحده أن يحقق كل ما يريده على طاولة التفاوض، كما أن المقاومة لا تستطيع التحكم بالمسار السياسي. والمعادلة الأخطر هي أن “من يمتلك قرار الميدان لا يمتلك القرار السياسي، ومن يمتلك القرار السياسي لا يمتلك قرار الميدان”.

وهذا الفصل بين المسارين لا ينتج تفاوضًا قويًا أو منتجًا، بل على العكس قد يحوّل المفاوضات إلى عملية لتضييع الوقت واستنزاف لبنان، ويترك البلد أمام خطر أكبر يتمثل في محاولة إسرائيل الاستثمار في الانقسام الداخلي.

فإسرائيل، التي لم تستطع فرض كل ما تريده بالقوة، قد تجد في الانقسام اللبناني مدخلًا لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه عسكريًا. ولذلك فإن استمرار الشرخ بين الدولة والمقاومة قد لا يؤدي فقط إلى إضعاف الموقف اللبناني في التفاوض، بل قد يفتح الباب أمام فتنة داخلية، وصولًا إلى حرب أهلية تريدها إسرائيل لتكريس احتلالها والتدخل بصورة أوسع في المعادلة السياسية اللبنانية ودعم فريق في مواجهة آخر.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى “كلمة سواء” بين السلطة والمقاومة، لا بمعنى إلغاء أي طرف أو تجاوز المؤسسات، بل بمعنى الاتفاق على ثوابت وطنية مشتركة تشكل أساسًا لموقف لبناني موحد.

وهذه الثوابت موجودة أصلًا في ما أعلنه رئيس الجمهورية وتوافق عليه اللبنانيون: الانسحاب الإسرائيلي، وقف إطلاق النار، إعادة الإعمار، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم.

وإذا كان المطلوب حماية لبنان ومنع تحويله إلى ساحة صراع داخلي، فإن جمع القرارين السياسي والميداني يصبح ضرورة لا ترفًا. فالدولة تحتاج إلى أوراق القوة التي يفرضها الواقع الميداني، والمقاومة تحتاج إلى تفهّم سياسي وطني، لذلك ليس المطلوب أن يكون هناك مساران متوازيان، أحدهما في الدولة والآخر في الميدان، بل مسار لبناني واحد تتكامل فيه عناصر القوة السياسية والعسكرية والشعبية، ويُدار على قاعدة الأولويات الوطنية.

فالمرحلة المقبلة لا تحتمل مزيدًا من الانقسام. وإذا كانت إسرائيل تراهن على الفصل بين السلطة والمقاومة، فإن الرد اللبناني الأجدى هو إنتاج تفاهم داخلي على الثوابت الوطنية يمنع تحويل هذا الانقسام إلى فتنة.