Beirut weather 33 ° C
تاريخ النشر July 30, 2026
A A A
بري في بعبدا.. حوار الضرورة
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

عندما عُقدت القمة الأميركية – اللبنانية بين الرئيسين دونالد ترامب وجوزيف عون، آثر رئيس مجلس النواب نبيه بري التريث في إصدار أي موقف، مكتفيًا بالقول: “لن أعلّق عليها حتى أعرف ما حصل فيها وأرى نتائجها”.

وقد جاءت زيارة بري إلى قصر بعبدا أمس في هذا السياق، حيث استمع من رئيس الجمهورية إلى عرض مفصل لما دار في لقائه مع ترامب، وللنتائج التي يمكن أن تترتب عليها في المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، والتدمير الممنهج للقرى والبلدات الجنوبية، والمماطلة في الانسحاب، وعرقلة انتشار الجيش اللبناني، وهو ما يظهر بوضوح في ما يجري في زوطر الغربية.

في الشكل، عكس اللقاء أجواء إيجابية، إذ لا يختلف اثنان على ما يجمع الرئيسين من احترام ومودة متبادلين، وهو ما تجسد أيضًا في مرافقة رئيس الجمهورية لرئيس مجلس النواب حتى باب قصر بعبدا، في خطوة خرقت البروتوكول وحملت دلالات سياسية ومعنوية.

وهذا يؤكد أن التباينات في مقاربة الملفات الوطنية لا تلغي الاحترام المتبادل، ولا تعطل الحوار الذي يتمسك به الرئيس بري، انطلاقًا من قناعته بأن أي قطيعة بين الرئاسات أو القوى السياسية لا يمكن أن تخدم مصلحة لبنان في هذه المرحلة الدقيقة.

أما في المضمون، فإن زيارة بري إلى بعبدا تندرج في إطار التشاور الضروري الذي تفرضه التطورات المتسارعة والأزمات المتلاحقة، في ظل ظروف سياسية وعسكرية تضع لبنان والمنطقة على فوهة بركان، وتهدد بإعادة رسم خرائط الجغرافيا السياسية في المنطقة.

من هذا المنطلق، لم يكن الهدف من اللقاء تجاوز الخلافات أو إلغاؤها، بل تحصين الاستقرار الداخلي وتعزيز السلم الأهلي، باعتبارهما أولوية وطنية تتقدم على كل التباينات السياسية.

فمنذ اندلاع العدوان الإسرائيلي، وقبل الدخول في مسار المفاوضات المباشرة، كان الرئيس بري يؤكد أن الأولويات اللبنانية تتمثل في وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة النازحين إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، معتبرًا أن أي مسار يحقق هذه الأهداف يحظى بدعمه.

لذلك، لا يمكن قراءة الزيارة على أنها محاولة لتغيير ثوابت الرئيس بري أو لإقناع الرئيس عون بها، بل هي تعبير عن استمرار التواصل بين الرئاسات، انطلاقًا من الحرص على المصلحة الوطنية، ولا سيما في ظل ما يشهده الجنوب من تصعيد خطير، يتمثل في عمليات التفجير والتدمير الممنهج، وسعي إسرائيل إلى محو معالم بلدات ومناطق بأكملها، الأمر الذي يفرض البحث الجدي في السبل الكفيلة بوقف هذه الجرائم المتواصلة.

ولعل اللافت أن البيان الصادر عن رئاسة الجمهورية عقب اللقاء جاء متماسكًا ومقتضبًا، فتجنب الخوض في تفاصيل النقاش، وركز على القاسم المشترك بين الجانبين، والمتمثل في أولوية وقف الحرب ووضع حد لعمليات التدمير الإسرائيلية.

وتشير المعلومات إلى أن البحث تناول أيضًا العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام استكمال انتشار الجيش اللبناني، بدءًا من زوطر الغربية وسائر المناطق الجنوبية، إضافة إلى عدد من الملفات التشريعية والوطنية، وتبادل وجهات النظر حول الاستحقاقات المقبلة.

من هذا المنطلق يمكن توصيف لقاء بعبدا بأنه حوار الضرورة بين الرئيس جوزيف عون والرئيس نبيه بري، صاحب الدعوة الدائمة إلى الحوار.

ومن يؤمن بالحوار نهجًا لا يمكنه أن يقطع جسور التواصل مع أي طرف، لأن المرحلة الضاغطة التي يمر بها لبنان تفرض التعاون، ولو على الحد الأدنى من الثوابت والأولويات الوطنية، في مواجهة التحديات الوجودية التي تتربص بالبلاد.