Beirut weather 19.65 ° C
تاريخ النشر May 20, 2026
A A A
الهدنة في لبنان.. بين الكذب الاسرائيلي والوهم السياسي!..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

تشير الوقائع السياسية والميدانية إلى أنّ السلطة اللبنانية بدأت تلمس حجم الاستخفاف الأميركي بها، بعدما دُفعت إلى مسار تفاوضي جرى تحت النار، الأمر الذي وضعها في موقع حرج داخلياً وسياسياً.

 

فبعد تجاوزها لمحرمات لبنانية، وذهابها إلى ثلاث جلسات تفاوضية مباشرة مع العدو الإسرائيلي، وجدت نفسها عاجزة حتى عن انتزاع وقفٍ لإطلاق النار، فيما بدا أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل تعملان على دفع لبنان نحو انقسام داخلي خطير، عبر فصل المسارات السياسية والأمنية، والإيحاء بأنّ الحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية تلتقيان على هدف واحد يتمثل في نزع سلاح المقاومة، فضلا عن الترويج لتشكيل لواء لبناني بتوجيهات أميركية للقيام بهذه المهمة، ما يعني فتنة داخلية لن تكون في مصلحة أحد.

 

 

ظهرت السلطة اللبنانية خلال هذا المسار في موقع العاجز عن تثبيت مواقفها أو فرض شروطها، بما يعكس حجم الضغط والوصاية الأميركية المفروضة عليها.

 

فمنذ الجلسة التحضيرية الأولى في وزارة الخارجية في واشنطن، أعلنت السلطة أنّها لن تدخل في مفاوضات مباشرة ما لم يتوقف العدوان الإسرائيلي، إلا أنّ شيئاً من ذلك لم يتحقق، فالاعتداءات والمجازر الإسرائيلية لم تتوقف، بل تصاعدت واتّسمت بمزيد من الوحشية، فيما استمرت اللقاءات التفاوضية تحت القصف وكان أخرها برئاسة السفير سيمون كرم، من دون أن يتمكن الجانب اللبناني من تحقيق أي اختراق فعلي رغم تمديد الهدنة “الكاذبة” 45 يومًا، بل تلقّى في المقابل مزيداً من الشروط والضغوط الإسرائيلية.

 

واليوم، تعلن السلطة اللبنانية أنّها لن تشارك في اللقاء الأمني اللبناني ـ الإسرائيلي المشترك، المزمع عقده برعاية أميركية في البنتاغون في التاسع والعشرين من الشهر الجاري، ما لم يتم التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار. إلا أنّ هذا الموقف لا يبدو مقنعاً لكثيرين في الداخل والخارج، في ظل قناعة واسعة بأنّ هذه السلطة لا تملك هامشاً حقيقياً لرفض المشاركة أو تعطيل المسار التفاوضي، بعدما انخرطت فيه إلى هذا الحد من دون امتلاك عناصر القوة السياسية أو الميدانية التي تسمح لها بفرض شروطها.

 

ويبدو أنّ السلطة اللبنانية بالغت في اندفاعتها نحو تنفيذ المطالب الأميركية، كما بالغت في الرهان على وعود الولايات المتحدة والتي تهاوت تباعاً بعد اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي أُبرم برعاية أميركية وضمانة فرنسية، ونصّ على انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط الخمس المحتلة ووقف الأعمال العدائية. إلا أنّ إسرائيل لم تنسحب، والاعتداءات لم تتوقف، فيما فشلت الدبلوماسية اللبنانية في انتزاع حقوق لبنان أو إلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها.

 

 

أمام هذا الواقع، يواجه لبنان اليوم معضلة أكثر تعقيداً تتمثل في السعي الإسرائيلي ـ الأميركي إلى الفصل بين المفاوضات السياسية مع السلطة اللبنانية وبين المواجهة العسكرية مع حزب الله، بالتوازي مع محاولة دفع هذه السلطة إلى مواجهة المقاومة سياسياً وأمنياً، والتماهي تدريجياً مع الرؤية الإسرائيلية التي تتجاوز مسألة السلاح نحو مشاريع أوسع، تشمل اتفاقات سياسية وأمنية واقتصادية، إضافة إلى إعادة فتح ملفات ترسيم الحدود البرية والبحرية.

 

وفي وقت يتصاعد فيه المشهد الميداني عبر الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب والبقاع، وما يقابلها من عمليات للمقاومة تشمل المسيّرات والصواريخ واستهداف المستوطنات الشمالية، تبدو فرص الحلول السريعة محدودة للغاية.

 

وعليه، فإنّ التطورات الميدانية تبقى العامل الأكثر تأثيراً في رسم المسارات المقبلة، سواء عبر نجاح المقاومة في استنزاف العدو وفرض معادلات جديدة، أو من خلال نتائج المفاوضات الجارية في إسلام آباد، والتي تؤكد إيران أنّ وقف إطلاق النار في لبنان يشكّل أحد بنودها الأساسية.

 

وفي ضوء ذلك، لا يبدو أمام السلطة اللبنانية سوى محاولة الاستفادة من أي نتائج قد تفضي إليها هذه التطورات أو المفاوضات، حتى وإن سعت لاحقاً إلى نسب الإنجازات لنفسها.

 

أمّا الاستمرار في الرهان على الوعود الأميركية والضمانات الغربية، والاعتقاد بأنّ الولايات المتحدة قد تقدّم مصالح لبنان على المصالح الإسرائيلية، فيبدو أقرب إلى وهم سياسي يتكرر في كل محطة.