Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر July 22, 2026
A A A
«المناطق التجريبية»: ميزان الشروط وفخ الاستدراج

كتب حسن حردان:

توقفت الدوائر السياسية والإعلامية بحذر بالغ أمام التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة في لبنان، وتحديداً مع بدء تطبيق ما يُعرف بخطط “المناطق التجريبية” في جنوب البلاد، بالتزامن مع الحراك الدبلوماسي المكثف وزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن. وبينما تُسوّق هذه الخطوات دولياً وإقليمياً تحت عنوان “عودة السيادة وبسط سلطة الدولة”، تكشف القراءة الموضوعية خلف الكواليس ملامح هندسة أمنية واستراتيجية أميركية ـ “إسرائيلية” بالغة الخطورة، تحاول حكومة العدو من خلالها فرض شروطها ومحاولة تحويل الجيش اللبناني إلى أداة اختبار ملغومة تصبّ في مصلحة خططها وأمن احتلالها لمنطقة جنوب الليطاني.

أولاً: قراءة في والإعلام العبري لا انسحاب مجانياً
لا تنظر وسائل الإعلام والدوائر الأمنية في كيان العدو إلى خطة “المناطق التجريبية” (في قطاعات شملت بلدات حدودية وأطرافها) كنسخة لانسحاب تقليدي أو تراجع عسكري، بل تعتبرها “مجسّ نبض واختبار لجدوى الرهان”.
ربط البقاء بنزع السلاح: الموقف “الإسرائيلي” الحاسم في التحليلات هو رفض أيّ انسحاب نهائي من الشريط العميق الذي احتلّ خلال العدوان البري الأخيرة، إلا بعد تفكيك البنية التحتية العسكرية للمقاومة بشكل كامل.
الاستثمار في الضغط الأميركي: تراهن تل أبيب على المظلة الدبلوماسية والعسكرية الأميركية لتقييد أيّ حركة سياسية للرئيس جوزاف عون في واشنطن، وجعل المساعدات والضمانات المرتبطة بالانسحاب مشروطة حصراً بمدى التزام لبنان بتنفيذ الشروط الأمنية الإسرائيلية.

 

 

ثانياً: زيارة واشنطن… محاولة انتزاع الضمانات وحصار الشروط
شكلت زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن محطة مفصلية، لكنها لم تكن نزهة دبلوماسية. فقد سعت القيادة اللبنانية إلى انتزاع جدول زمني واضح لإلزام “إسرائيل” بالانسحاب وتطبيق القرارات الدولية، إلا أنّ الثقل الاستراتيجي للإدارة الأميركية بدا منحازاً للمقاربة الأمنية “الإسرائيلية”.
أدى هذا التباين إلى وضع لبنان أمام مأزق دبلوماسي؛ فبدلاً من أن تشكل الزيارة رافعة لإنهاء الاحتلال، تمّ استخدامها في كواليس ضغط اللوبي الإسرائيلي في واشنطن للتعجيل بفرض “المناطق التجريبية”، على المقاس “الإسرائيلي”، كأمر واقع، وجعل السيادة اللبنانية مشروطة بمدى قدرة السلطة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها في “اتفاق الإطار”.

 

 

ثالثاً: فخ “المناطق التجريبية” خيارات الجيش اللبناني المرّة!
إنّ تحديد مناطق غير محتلة عسكرياً بشكل مباشر أو مناطق تماس، مثل زوطر الغربية، لتكون حقل تجارب أمنية يحمل في طياته فخاً استراتيجياً للجيش اللبناني، الذي يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ:
فخ الصدام الداخلي: إذا انزلق الجيش لتنفيذ إجراءات قاسية أو صدامية لنزع سلاح المقاومة في هذه المناطق، فإنه يواجه خطر الاحتكاك المباشر مع المقاومة وجمهورها الحاضن، وهو ما يهدّد السلم الأهلي وتماسك المؤسسة العسكرية نفسها.
فخ ذريعة الاحتلال الدائم: إذا امتنع الجيش عن الدخول في صدام وتوقف عند حدود الواقع الميداني المعقد، فستتخذ “إسرائيل” وأميركا من ذلك ذريعة “قانونية” وسياسية لإعلان “فشل السلطة اللبنانية في بسط سيادتها”، وبالتالي تبرير استمرار بقاء قوات الاحتلال في الحزام الأمني وتوسيع العمليات العدوانية تحت عنوان “غياب الشريك القادر”.
في ضوء ما تقدّم يمكن تسجيل الخلاصات التالية:
الخلاصة الأولى: تحقيق الأهداف الإسرائيلية بلا ثمن: نجحت “إسرائيل”، حتى الآن، في نقل عبء ضبط الأمن وحراسة الأمن الاسرائيلي في الشمال الفلسطيني المحتلّ إلى الجيش اللبناني، محققةً مكاسب استراتيجية دون دفع ثمن الانسحاب الكامل.
الخلاصة الثانية: السيادة المشروطة: تُستخدم “المناطق التجريبية” كأداة هندسة سياسية تهدف إلى فرض واقع جديد يجعل استقلال لبنان وسيادته معلقين على مدى الاستجابة للمتطلبات الأمنية “الإسرائيلية” ـ الأميركية.
الخلاصة الثالثة: يظلّ الرهان الأساسي معقوداً على حنكة وحكمة القيادة العسكرية في إدارة هذا الاشتباك الدبلوماسي والميداني بحذر شديد، لتجنّب الوقوع في شرك الفتنة الداخلية أو شرعنة الاحتلال تحت غطاء فخ الشروط التجريبية…