Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر September 23, 2026
A A A
السلطة تتخلّى عن توثيق جرائم العدوّ: إسرائيل تفرض روايتها

 

كتبت ندى أيوب 

السؤال الذي يطرحه الباحث والمفكّر الفرنسي جيروم هورتو في كتابه الصادر حديثاً بعنوان «هل مات القانون الدولي في غزّة؟»، يصلح مدخلاً لقراءة ما يتعرّض له لبنان أيضاً. فهورتو لا يجعل من غزّة نموذجاً لحرب بعينها فحسب، بل مرآة لأزمة أوسع تتصل بقدرة القانون الدولي على مُساءلة القوى النافذة، وبكيفية تعامل الدول والمجتمعات مع هذا القانون حين يعجز عن وقف الجريمة.

وفي الحالة اللبنانية، إذا كانت سلطة الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام تعاملت مع إسرائيل باعتبارها قوة نافذة، وتنازلت في «اتفاق الإطار» عن الحق في مقاضاتها عن جرائم الحرب التي ترتكبها في لبنان، فإن ذلك لا يعني التسليم بأن تتحوّل موازين القوى إلى معيار لتعريف الجريمة أو إسقاط المسؤولية عنها، وبخيار السلطة الذي يخدم رغبة إسرائيل في جعل القانون الدولي ميتاً في الجنوب.

وفي هذا السياق، فإن ما قاله رئيس الحكومة في إحدى جلسات مجلس الوزراء، ويتكرّر في مجالسه، من أن «الشكاوى ضد إسرائيل مُكدّسة في الأمم المتحدة، فيما لم تحاسب إسرائيل يوماً»، مُستخِفّاً بأهمية المتابعة القانونية، ليس دقيقاً. فأهمية القوانين لم تكن يوماً في قدرتها على إيقاف طائرة أو دبابة، أو منع حدوث الجريمة، بل في منع اختفائها بعد وقوعها، لأنها تُعرّفها وتدين مرتكبها، وتجعل فعل الملاحقة مَصوناً ولو بعد عشرات السنوات.

 

في لبنان، يستلزم ذلك، بالدرجة الأولى، خوض معركة المُصطلحات في وجه العدو. فمن بين المخاطر التي تبرز في التعامل مع الاعتداءات الإسرائيلية، نجاح اللغة السياسية والإعلامية (المحسوبة على فريق السلطة) في إخراج ما تقترفه إسرائيل من المجال الذي يحدّده القانون الدولي، وإدخاله في لغة موازين القوى. هكذا، تتحوّل الجريمة إلى «حدث أمني»، والاحتلال إلى «واقع ميداني»، وتدمير المنازل إلى «ضغط عسكري»، وقتل المدنيين إلى «أضرار جانبية». هكذا، تفرض إسرائيل قاموسها الخاص أيضاً، بما ينزع عن الأفعال المُرتكبة صفتها القانونية. ولذلك تصبح تسمية الأشياء جزءاً من الصراع نفسه. فالنزاعات لا تدور فقط حول من يملك الطائرة والصاروخ، بل أيضاً حول من يملك حقّ تعريف الضحية والهدف والجريمة.

 

وعندما يعلن جيش العدو أنه استهدف موقعاً «تابعاً لحزب الله»، لا يملك أن يحسم وحده الصفة القانونية للهدف. فهذه الصفة تخضع لمجموعة من المُحدّدات، كما تبقى قواعد التناسب والاحتياط قائمة، ولا تصبح رواية الطرف المهاجم دليلاً بذاتها. وكذلك الأمر حين يعلن الجيش الإسرائيلي أن شخصاً ما هو مقاتل، أو أن مبنى ما هو منشأة عسكرية، أو أن منطقة معينة يجب إخلاؤها. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل هذه الإعلانات، في التداول الإعلامي اللبناني، إلى وقائع ثابتة، أو إلى مُسلّمات يُفترض قبولها بحجة اختلال موازين القوى. بينما لغة القانون تفترض إثبات الادّعاء وتوثيقه، والإبقاء على المدني مدنياً ما لم تتوافر الشروط القانونية التي ترفع عنه الحماية، وتبني الذاكرة القانونية للجريمة، وتمنح الضحية لغة عالمية، وتحفظ أسماء الضحايا، ومواقع الضربات، وطبيعة الأسلحة، ومسارات المسؤولية، وتبني قضية ضدّ الجاني لا تسقط بمرور الزمن.

 

العدالة تبدأ من إنتاج معرفة موثّقة بدلاً من التخلّي عن المسار القانوني لمجرّد أن نتائجه ليست فورية

 

 

بهذا المعنى، لا تعود العدالة مرتبطة حصراً بإمكانية محاكمة مسؤول إسرائيلي اليوم أو غداً، ولا بقياس قدرة القانون الدولي على إجبار إسرائيل على وقف اعتداءاتها، وإن كانت المحاسبة وحماية الأفراد من الانتهاكات من المبادئ التي يكرّسها القانون الدولي الإنساني. فالعدالة يمكن أن تبدأ أيضاً من إنتاج معرفة موثّقة لا يمكن محوها، بدلاً من التخلّي عن المسار القانوني لمجرّد أن نتائجه ليست فورية. وهنا يصبح التوثيق عملاً سياسياً بالمعنى العميق للكلمة. فالدرس الذي يستخلصه هورتو من تجربة غزّة هو أن القانون الدولي يمكن أن يُختطف سياسياً من جانب القوى الكبرى التي تسعى إلى تفسيره وفق مصالحها. لكنّ ضعف القانون لا يعني التخلّي عنه، إذ يمكن للدول والمجتمعات الواقعة على هامش النظام الدولي أن تستعيد جزءاً من فاعليته عبر التمسك به واستخدام أدواته.

 

هذه الفكرة تكتسب أهمية خاصة في لبنان، لأن هناك انقلاباً كاملاً في وظيفة القانون الدولي يتسلّل إلى الخطاب اللبناني، يمكن تلمّسه من السؤال عمّا يجب على لبنان أن يفعله لإرضاء القوى الدولية، بدلاً من السؤال عمّا يجب على المجتمع الدولي أن يفعله لوقف الاعتداء على لبنان، وحين تصبح السيادة التزاماً لبنانياً تجاه الخارج، بدلاً من أن تكون حقاً لبنانياً في مواجهة الخارج. في حين أن سلطة عون – سلام ليست بحاجة إلى انتظار توافق الدول الكبرى كي تجعل من كل انتهاك موثّق جزءاً من استراتيجية قانونية وسياسية دائمة، تمتدّ إلى الأمم المتحدة والآليات القضائية الدولية، وتستخدم القانون في آنٍ كأداة دفاع وهجوم قانوني.

 

وفي هذا الصدد، لا يكفي أن يبقى التوثيق محصوراً في مبادرات متفرّقة، مهما كانت أهميتها. فالعمل الذي تقوم به اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري يحتاج – على أهميته – إلى موارد وطاقات بشرية كبرى، وإلى تعاون منهجي بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات المعنية.

 

وكذلك لا يُفترض أن يبقى حراك النائبة حليمة القعقور في هذا المجال مبادرة فردية، أو أن يُنظر إلى عمل مبادرة «حبات القلوب»، التي توثّق المعلومات المتعلقة بالأطفال الذين قتلتهم إسرائيل في لبنان، أو تقرير الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان حول الانتهاكات الإسرائيلية، الذي تسلّمته الحكومة أخيراً، باعتبارها أعمالاً منفصلة عن توثيقٍ يُفترض أن يكون ضمن منظومة وطنية وقانونية متكاملة، تتراكم فيها الأدلة والوقائع. فالتعامل مع الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان لا يُفترض أن يبدأ من الصفر مع كل عدوان، بل أن يستند إلى تجربة لبنانية طويلة تتكرّر فيها أنماط الاحتلال وانتهاك السيادة، وقتل المدنيين، والتدمير والتهجير.