Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر June 11, 2026
A A A
الجميع يشتري الوقت حتى الخريف؟
الكاتب: طارق ترشيشي

 

كتب طارق ترشيشي في الجمهورية 

 

 

يعكس المشهد الإقليمي الراهن أنّ أحداً لا يريد التسوية النهائية، وفي الوقت نفسه لا يريد الحرب الشاملة أيضاً. وبين هذين الحدّين تتحرك الأطراف كافة في مساحة رمادية عنوانها الأساسي: «شراء الوقت». فإذا كان التصعيد الإسرائيلي في لبنان والضربات المتبادلة بين إيران وإسرائيل، يوحيان أنّ المنطقة تقف على حافة انفجار كبير، فإنّ التدقيق في حسابات اللاعبين الرئيسيين يقود إلى استنتاج مختلف، هو انّ الجميع يدير النزاع انتظاراً لإستحقاقات سياسية كبرى تبدأ في الخريف المقبل.

 

الأولوية بالنسبة إلى إيران و»حزب الله» تبدو واضحة. طهران لا تريد منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صورة المنتصر الذي نجح في فرض شروطه على لبنان، أو في إضعاف «محور المقاومة»، قبل الاستحقاقات السياسية المقبلة. كما أنّها لا ترغب في تقديم إنجاز استراتيجي للرئيس الأميركي دونالد ترامب لكي يستثمره داخلياً. ولذلك تبدو الاستراتيجية الإيرانية تقوم على منع الهزيمة أكثر من السعي إلى نصر حاسم، وعلى الحفاظ على أوراق القوة الإقليمية إلى حين اتضاح صورة التوازنات السياسية في واشنطن وتل أبيب.

 

 

 

ومن هذا المنطلق يمكن فهم سلوك «حزب الله». فهو لا يريد حرباً شاملة من شأنها أن تدفع لبنان إلى مزيد من الانهيار، لكنه في المقابل لا يريد السماح لإسرائيل بفرض وقائع أمنية أو سياسية جديدة بلا أثمان. والهدف الأساسي هو منع نتنياهو من الظهور بمظهر القائد الذي نجح في تغيير قواعد اللعبة على الجبهة الشمالية.

 

 

 

لكن في المقابل، لا يبدو ترامب في موقع الرئيس الباحث عن إنجاز عاجل بأي ثمن. فالإدارة الأميركية تتصرف على أساس أنّ الاقتصاد الأميركي ما زال قادراً على تحمّل الضغوط، وأنّ الوضع السياسي الداخلي لا يفرض عليها تقديم تنازلات كبيرة أو استعجال تسويات معقّدة. ولهذا السبب تبدو واشنطن أكثر ميلاً إلى إدارة الأزمات ومنع انفجارها، بدلاً من فرض حلول نهائية وسريعة.

 

 

 

أما نتنياهو، فمشكلته مختلفة تماماً. فهو يدرك أنّ إنهاء الحرب بلا نتائج ملموسة قد يفتح أبواب مساءلات سياسية داخلية، ويعيد النقاش حول مسؤولية القيادة الإسرائيلية عن الإخفاقات السابقة. لذلك، يبدو استمرار العمليات العسكرية جزءاً من معركة سياسية داخلية بمقدار ما هو جزء من معركة أمنية وعسكرية.

 

وفي هذا السياق، يبرز السؤال المتعلق بمعادلة «الضاحية مقابل المستوطنات». فهل أصبحت هذه المعادلة حقيقة ثابتة تحكم النزاع؟

 

 

 

الواقع أنّ ما جرى خلال الأشهر الماضية يشير إلى وجود مستوى جديد من الردع المتبادل، لكنه لا يكفي للقول إنّ قواعد الاشتباك الجديدة أصبحت نهائية. فالمعادلات لا تثبت بإعلانها بل بتكرارها واستمرار الالتزام بها. وإذا كانت إسرائيل لا تزال تحتفظ بخيار استهداف الضاحية أو مناطق أخرى في لبنان عند الضرورة، فهذا يعني أنّ المعادلة ما زالت موضع اختبار أكثر مما هي قاعدة مستقرة.

 

 

 

لكن الأهم من الجانب العسكري هو البعد السياسي الكامن خلف هذه المعادلة. فإسرائيل والولايات المتحدة والسلطة اللبنانية تلتقي، ولو لأسباب مختلفة، عند نقطة واحدة: عدم الرغبة في بقاء الملف اللبناني ملحقاً كلياً بالملف الإيراني. إسرائيل تريد ترتيبات أمنية مباشرة أو غير مباشرة على الحدود اللبنانية، تضمن هدوءاً طويل الأمد بغض النظر عن مسار العلاقة مع طهران. وواشنطن تسعى إلى فصل المسارات قدر الإمكان، حتى لا تصبح أي أزمة إقليمية سبباً تلقائياً لاشتعال الجبهة اللبنانية. أما السلطة اللبنانية الحالية، المنخرطة في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، فترى أنّ أي فرصة لاستعادة دور الدولة تمرّ عبر تثبيت مرجعية لبنانية للقرار الأمني والسياسي.

 

 

 

وفي المقابل، تدرك طهران أنّ قوة أوراقها الإقليمية تكمن في وحدة الساحات لا في الفصل بينها. ولذلك فإنّها تنظر إلى لبنان في اعتباره جزءاً من منظومة توازن إقليمي أشمل. ومن هنا تنشأ المواجهة السياسية الحقيقية الدائرة حالياً في الكواليس: هل سيكون لبنان جزءاً من تسوية لبنانية ـ إسرائيلية برعاية أميركية، أم سيبقى جزءاً من التفاوض الأميركي ـ الإيراني الأكبر؟

 

 

 

وهنا تبرز أهمية عامل الوقت. فالمفاوضات جارية لكنها لا تتقدّم بالسرعة المطلوبة. والضربات العسكرية مستمرة لكنها لا تصل إلى مستوى الحرب الشاملة. والسبب أنّ الأطراف كافة تنتظر معرفة موازين القوى التي ستنتجها الأشهر المقبلة قبل اتخاذ قرارات كبرى.

 

 

 

ويُضاف إلى ذلك عامل اقتصادي لا يقلّ أهمية. فإيران تواجه ضغوطاً اقتصادية تجعلها حريصة على تجنّب حرب مفتوحة تستنزف مواردها. وإسرائيل تتكبّد بدورها أكلافاً مالية وأمنية متزايدة نتيجة استمرار التعبئة العسكرية. أما لبنان فهو الحلقة الأضعف، إذ يدفع ثمن الانتظار من اقتصاده واستقراره وفرص نهوضه. ولذلك فإنّ استمرار الوضع الحالي قد يكون أقل كلفة للأطراف الإقليمية مما هو عليه بالنسبة إلى لبنان. ولذا فإنّ الأشهر المقبلة لن تشهد حسماً، بل ستكون مرحلة استنزاف سياسي محسوب. إيران و»حزب الله» يحاولان منع واشنطن وتل أبيب من تحقيق صورة «النصر». ونتنياهو يحاول منع خصومه من تصويره كخاسر. وواشنطن تعمل على منع الانفجار الكبير ريثما تتضح صورة التوازنات الجديدة.

 

 

 

وفي ظلّ هذا المشهد، قد لا يكون السؤال الحقيقي من سيربح الحرب، بل من سيتمكن من الصمود حتى الخريف، من دون أن يمنح خصمه إنجازاً سياسياً أو عسكرياً قابلاً للاستثمار؟ فالمعركة الفعلية الدائرة اليوم ليست فقط على حدود الجنوب أو في أجواء المنطقة، بل على شكل الشرق الأوسط الذي سيولد بعد انتهاء مواسم الانتخابات والاستحقاقات السياسية المقبلة. وحتى ذلك الحين، سيبقى لبنان عالقاً بين مسارين متوازيين: مسار التفاوض الذي لم ينضج بعد، ومسار الحرب الذي لم يصل إلى نهايته. وبينهما تستمر لعبة شراء الوقت التي يتقنها الجميع، فيما يدفع اللبنانيون كلفة الانتظار يوماً بعد يوم.