Beirut weather 30 ° C
تاريخ النشر July 13, 2026
A A A
التفاوض تحت النار: صراع «هرمز» وصياغة قواعد الردع الجديدة بين واشنطن وطهران

كتب حسن حردان 

شهدت منطقة الخليج جولة تصعيد غير مسبوقة أعادت صياغة قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران؛ فبعد تراجع الآمال المعقودة على الهدنة ومذكرة التفاهم التي تمّ توقيعها في حزيران الماضي، دخل الصراع مربع المواجهة المباشرة. وجاء خروج الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن التزامات المذكرة (التي أقرّت بترتيبات لإدارة إيران حركة الملاحة) وإعلانه انتهاء وقف إطلاق النار ليدفع المشهد نحو حافة الهاوية.

ومع تبادل القصف العنيف بين القوات الأميركية ومواقع الحرس الثوري في المحافظات الإيرانية، واستهداف القواعد الأميركية في المنطقة، قفز مضيق هرمز مجدّداً إلى واجهة الحدث الدولي كأوراق الضغط الأكثر حساسية، مما انعكس فوراً على أسواق الطاقة بعودة الارتفاع المتصاعد لأسعار النفط.

أمام هذا المشهد المعقد، تبرز تساؤلات ملحة حول الآفاق المستقبلية: إلى أين تتجه الأمور؟ هل تملك واشنطن القدرة على فرض “العبور غير المشروط” للمضيق؟ وما هي السيناريوات المرجحة في ظلّ التمسك الإيراني بحقوق السيادة والخدمات؟

 

أولاً: الاستراتيجية الأميركية

“الضغط الأقصى” لفرض الشروط

تتحرك إدارة ترامب وفق عقيدة “البراغماتية الهجومية”، إذ تعتبر واشنطن أنّ قبولها بأيّ صيغة تمنح طهران حق الإشراف الفعلي أو “الفيتو الإجرائي” على خطوط الملاحة الدولية في مضيق هرمز يمثل تراجعاً استراتيجياً وهزيمة سياسية للمشروع الأميركي.

الضربات الجوية العنيفة التي وجهتها القيادة المركزية الأميركية تهدف إلى تحقيق غايتين:

عزل ملف الملاحة عن المفاوضات: محاولة فرض “حرية الملاحة المطلقة” كأمر واقع بالقوة المسلحة، دون الحاجة لترتيبات تنسيقية أو إشراف مباشر من الحرس الثوري.

التفاوض من موقع القوة: تطبيق مبدأ ترامب التقليدي “التفاوض تحت النار”؛ أيّ إيصال الخصم إلى حافة الانهيار لانتزاع صفقة شاملة وجديدة تلغي المكتسبات التي حققتها إيران في مذكرة التفاهم.

 

ثانياً: الحسابات الإيرانية

المضيق كدرع واقٍ

على المقلب الآخر، تنطلق طهران من رؤية صلبة تعتبر فيها مضيق هرمز “خط الدفاع الأول” وعنصراً حاسماً في معادلة الردع الإقليمي. ولا ينفصل السلوك العسكري الإيراني في المضيق عن أهدافها الاستراتيجية الأوسع، وتحديداً في ملفها النووي ورفع العقوبات الاقتصادية.

وتتمحور المقاربة الإيرانية حول النقاط التالية:

معادلة الأمن المتبادل: إيصال رسالة واضحة لواشنطن بأنّ أمن صادرات النفط العالمية مرتبط وثيقاً بأمن إيران وحقوقها السيادية والاقتصادية.

تشريع حق ايران السيادي: تسعى إيران إلى مأسسة إشرافها على المضيق بالتعاون مع سلطنة عُمان (كشريك مشاطئ للمضيق) عبر طرح صيغة “بدل الخدمات والتنظيم القانوني” للسفن العابرة. هذا التوجه يخرج النفوذ الإيراني من الإطار العسكري الفجّ إلى الإطار القانوني والتنظيمي، مما يُحرج الموقف الأميركي دولياً.

 

ثالثاً: الاحتمالات المتوقعة

والسيناريو المرجح

في ضوء التمسك الإيراني الصارم بحقوق السيادة الإقليمية، والحدود التي تفرضها الحسابات الاقتصادية على اندفاعة ترامب، تتأرجح الآفاق بين ثلاثة سيناريوات رئيسية:

1 ـ السيناريو الأول (المرجح): الوصول إلى “حلّ وسط” عبر قنوات الوساطة،

هو الاحتمال الأكثر واقعية وقرباً لتطلعات الطرفين الضمنية؛ فالرئيس ترامب، رغم نبرته التصعيدية، تظلّ حساباته محكومة بضرورة تجنّب صدمات تضخمية في أسواق الطاقة تضرّ بالداخل الأميركي، فضلاً عن رغبته في عدم الانزلاق إلى حرب استنزاف برية واسعة.

شكل الحلّ الوسط: يُتوقع أن تفضي الجهود الدبلوماسية (بقيادة مسقط والدوحة) إلى اتفاق تقني ينظم حركة المرور عبر مسارات منفصلة (على سبيل المثال: تفعيل مسار جنوبي عابر دون عوائق، مقابل الاعتراف ببعض الإجراءات التنظيمية والخدمية الإيرانية في مناطق نفوذها الساحلية). يتيح هذا السيناريو لترامب الادّعاء بأنه أمّن حرية الملاحة الدولية، ويضمن لطهران تكريس واقعها السيادي والحصول على عوائد خدمات، مع الحفاظ على المضيق كورقة ضغط في المفاوضات الأشمل.

2 ـ السيناريو الثاني: حرب استنزاف تكنولوجية ومقايضة برفع جزئي للعقوبات،

في حال إصرار واشنطن على الرفض المطلق لأيّ دور إيراني، قد تتدحرج الأمور إلى مواجهة منخفضة الحدة لكنها مستمرة (قصف متبادل، حرب مُسيّرات، واستهداف غير مباشر للقواعد الأميركية والناقلات). هذا الاستنزاف سيعمل كعامل ضغط اقتصادي هائل على المجتمع الدولي بسبب الارتفاع الحاد في أسعار النفط، مما قد يجبر إدارة ترامب في نهاية المطاف على تقديم تنازلات تكتيكية تشمل رفعاً جزئياً للعقوبات الاقتصادية أو تجميد أصول معينة، مقابل تراجع إيران عن الإغلاق التام للمضيق.

3 ـ السيناريو الثالث (الأقلّ احتمالاً): الانزلاق نحو “حرب الناقلات الشاملة”،

يتحقق هذا السيناريو إذا انسدّت الآفاق الدبلوماسية تماماً وقرّرت الولايات المتحدة عسكرة الملاحة بالكامل عبر فرض نظام القوافل الحربية المسلحة، وتوجيه ضربات قاصمة للبنى التحتية النفطية الإيرانية. وسيقابل ذلك ردّ إيراني صاروخي واسع يستهدف منشآت الطاقة في دول الجوار والقواعد الأميركية كافة. ورغم خطورة هذا السيناريو، إلا أنّ كلفته الاقتصادية والسياسية الباهظة على الطرفين تجعله خيار الضرورة الأخيرة الذي يتحاشاه صانع القرار في كلّ من واشنطن وطهران.

إنّ مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي للتجارة الدولية، بل تحوّل إلى ساحة رئيسية لرسم الحدود السياسية وترسيخ مراكز القوى في الشرق الأوسط. وفي حين يحاول ترامب كسر النفوذ الإيراني بـ “التفاوض تحت النار”، تثبت طهران أنّ الجغرافيا السياسية وأوراق القوة الميدانية تمثل حائط صدّ منيعاً ضدّ الابتزاز الأميركي. وتبقى الصيغة التوافقية (العُمانية الإيرانية) للعبور المنظم بـ “بدل خدمات” هي المخرج الأكثر براغماتية لإنزال ترامب مجدداً عن شجرة التصعيد العسكري، وإعادة صياغة “ستاتيكو” جديد يضمن مصالح الجميع دون الانزلاق إلى أتون حرب شاملة…