Beirut weather 27.99 ° C
تاريخ النشر June 4, 2026
A A A
اتفاق يشرعن الاحتلال
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

ليست المشكلة في المفاوضات الجارية في واشنطن بين لبنان و”إسرائيل” أنها لم تحقق حتى الآن وقفاً لإطلاق النار أو انسحاباً إسرائيلياً، بل إن المشكلة الأعمق تكمن في السؤال الذي يسبق المفاوضات نفسها: لماذا جرى الانتقال إلى التفاوض أصلاً بينما يوجد اتفاق نافذ منذ 27 تشرين الثاني 2024؟ وقيمة هذا السؤال في كونه مفتاح فهم كل ما يجري، حيث لا يجيب عليه الكلام عن التفاوض كخيار استراتيجي ولا التساؤل عن بديل التفاوض، لأن القضيّة هي في تفاوض جرى وأنتج اتفاقاً وليس عن بديل للتفاوض، بل عن سبب القبول ببديل عن التفاوض السابق بتفاوض جديد والاتفاق السابق باتفاق جديد، والمقاومة التي يجري نقاشها افتراضياً بسؤال البديل التزمت بالاتفاق السابق وجمّدت عملها كمقاومة ورمت بثقلها وراء الخيار الدبلوماسي الذي تبنته السلطة كخيار استراتيجي.

إذا كانت الدولة اللبنانيّة قد أكدت طوال الأشهر الماضية، على لسان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وسائر المسؤولين، أن لبنان التزم موجبات الاتفاق، وأن الجيش اللبناني انتشر، حيث طُلب منه الانتشار، وأن المقاومة التزمت مقتضيات الاتفاق، فإن الخلل لم يكن في النص ولا في الجانب اللبناني، بل في الجانب الإسرائيلي الذي لم ينفذ موجباته الأساسية، وفي مقدّمتها الانسحاب ووقف الاعتداءات واحترام السيادة اللبنانية. كما أن الولايات المتحدة لم تمارس أي ضغط فعلي لإلزام “إسرائيل” بالتنفيذ، بل وفرت لها الغطاء السياسي والعسكري للاستمرار في التنصل من التزاماتها. وهنا يبرز السؤال الطبيعي: إذا كان الاتفاق قائماً، وإذا كان لبنان يعتبر نفسه ملتزماً به، فما الحاجة إلى مفاوضات جديدة؟

الجواب الذي يفرض نفسه هو أن الذهاب إلى التفاوض يعني عملياً الإقرار بأن الاتفاق القائم لم يعد مرجعية كافية، وأن هناك استعداداً للبحث عن اتفاق بديل أو صيغة معدلة. لكن البديل لا يأتي عادة لتلبية مطالب الطرف الذي يعتبر نفسه ملتزماً بالاتفاق، بل لتلبية مطالب الطرف الذي رفض تطبيقه. ولذلك يصبح السؤال: ما هي التحفظات الإسرائيلية على اتفاق 27 تشرين الثاني؟ والجواب واضح. “إسرائيل” لم تكن راضية عن معادلة تقوم على وقف النار والانسحاب أولاً ثم معالجة الملفات الأخرى لاحقاً. ما تريده هو ربط الانسحاب ووقف النار بملف سلاح حزب الله، بحيث لا يصبح الانسحاب التزاماً مستقلاً، بل نتيجة نهائية لمسار يقوم على التزامن والتلازم، ليس بهدف ضمان التنفيذ كما يوحي الظاهر، بل اتخاذ كل خطوة يمكن الطعن بصدقيتها ذريعة لعدم مواصلة التنفيذ، كحال استمرار الاعتداءات بداعي مواجهة تهديد محتمل.

من هنا ولدت فكرة “المسارات المتوازية” التي يجري التفاوض حولها اليوم. ووفق هذا التصوّر لا يوجد وقف نهائي لإطلاق النار منذ اليوم الأول، بل وقف متدرج زمنياً وجغرافياً. تبدأ المرحلة الأولى بمعادلة تقوم على وقف استهداف الضاحية الجنوبية وبيروت مقابل وقف استهداف شمال فلسطين المحتلة. ثم تتوسّع دائرة الهدوء تدريجياً وفق جدول زمني طويل. وفي الوقت نفسه لا يوجد انسحاب إسرائيلي كامل، بل انسحابات متدرجة ترتبط بتطورات ميدانية وسياسية. وقد جرى التداول بأفكار تبدأ من القطاع الشرقي، حيث ينسحب الجيش الإسرائيلي من بعض المواقع شمال الليطاني مقابل تسلم الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية في تلك المنطقة. كما طُرحت أفكار أخرى أكثر خطورة، بينها إنشاء منطقة تجريبية يجري فيها اختبار نموذج أمني جديد يقوم على دور مركزي للجيش اللبناني تحت إشراف أميركي، مع ما يشبه التنسيق غير المباشر مع “إسرائيل”. وقد أبدت واشنطن حماسة لهذا النموذج لأنه يسمح ببناء وقائع أمنية جديدة خطوة خطوة.

جوهر الخطة لا يكمن في هذه التفاصيل، بل في الربط الكامل بين ثلاثة مسارات: وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، ونزع سلاح حزب الله. وهنا تصبح المعادلة الجديدة مختلفة جذرياً عن اتفاق 2024. فبدلاً من أن يكون الاحتلال هو المشكلة المطلوب إنهاؤها أولاً، يصبح إنهاؤه مشروطاً بتحقق مسار آخر. وبدلاً من أن يكون الانسحاب حقاً لبنانياً مستحقاً بموجب اتفاق قائم، يتحول إلى مكافأة تمنحها “إسرائيل” تدريجياً كلما تحقق تقدم في ملف السلاح. وعند هذه النقطة يجب أن تستحضر الذاكرة اللبنانية تجربة اتفاق 17 أيار 1983. يومها لم تربط “إسرائيل” انسحابها بإرادتها المنفردة ولا بالتزامات لبنانية تستطيع الدولة تنفيذها، بل ربطته بعوامل أخرى، وفي مقدّمتها الانسحاب السوري، وهو أمر لم تكن الدولة اللبنانية تملك القدرة على ضمانه. وكانت النتيجة أن تحوّل الاحتلال من عبء على “إسرائيل” إلى ورقة تفاوضية تبرر بقاءه بحجة أن الشروط لم تكتمل بعد.
اليوم يبدو المشهد مشابهاً من حيث البنية لا من حيث التفاصيل. فبدلاً من ربط الانسحاب بالوجود السوري يجري ربطه بملف السلاح. وبدلاً من أن يكون الاحتلال مخالفة يجب أن تنتهي، يصبح واقعاً مؤقتاً قابلاً للاستمرار إلى أن تكتمل شروط تعتبرها “إسرائيل” ضرورية. وهكذا يتحوّل السؤال من: متى تنسحب “إسرائيل”؟ إلى: متى تعتبر إسرائيل أن شروط الانسحاب قد تحققت؟ وبدلاً من الضغط السياسي والإعلامي على “إسرائيل” لتنسحب وتحميلها مسؤولية زعزعة الاستقرار في الإقليم، يصير الضغط على المقاومة لتسريع تسليم سلاحها حتى يتم تحقيق انسحاب الاحتلال، الذي سيخلق ألف حجة للطعن بصدقية تسليم السلاح متى شاء.

خطورة ما يمكن وصفه بمفاوضات الوهم، حيث المفاوضات التي يفترض أن تنهي الاحتلال تتحول إلى مفاوضات تمنحه مبررات البقاء. والاحتلال الذي يفترض أن يكون موضع إدانة يصبح جزءاً من آلية تنفيذ الاتفاق. والانسحاب الذي كان التزاماً مستقلاً يصبح الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الشروط والمسارات. لهذا لا تبدو القضية اليوم مجرد نقاش حول ترتيبات أمنية أو جداول زمنية أو مراحل تنفيذ. القضية هي ما إذا كانت المفاوضات الجارية تهدف إلى فرض تنفيذ اتفاق قائم، أم إلى إنتاج اتفاق جديد يمنح “إسرائيل” ما عجزت عن الحصول عليه بالحرب، ويحول بقاء الاحتلال من خرق للاتفاق إلى نتيجة مشروعة لمسار تفاوضي طويل عنوانه الظاهر السلام، وجوهره شرعنة الاحتلال.