Beirut weather 25.77 ° C
تاريخ النشر June 5, 2026
A A A
اتفاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.. جائزة ترضية لنتنياهو..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

 

لم يكد يجف حبر الاتفاق الذي جرى التوصل إليه عبر المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية في واشنطن، حتى بدأت تتكشف الثغرات الجوهرية التي تجعل منه، اتفاقًا ملغومًا يفتقر إلى مقومات الاستقرار الفعلي ويهدد بتحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة أمام الضغوط الأميركية والابتزاز الإسرائيلي المستمر.

 

اللافت أن الاتفاق تجاهل بشكل كلي الأولويات اللبنانية المتفق عليها داخليًا، والتي لم تحضر بوصفها عناصر أساسية أو شروطًا مسبقة لأي تسوية.

 

 

إذ لم يتضمن الاتفاق أية بنود تتحدث عن وقف شامل لإطلاق النار، ولا عن وقف الاغتيالات الإسرائيلية، ولا عن الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، ولا عن إطلاق الأسرى، ولا عن عودة الأهالي إلى قراهم الحدودية، ولا عن وضع آلية جدية لإعادة الإعمار ومعالجة آثار الحرب.

 

وفي حين يُفترض أن تكون هذه الملفات هي المدخل الطبيعي لأي اتفاق يهدف إلى تثبيت الاستقرار الفعلي، جاء الاتفاق منحازًا إلى مقاربة أمنية تركز على التزامات الجانب اللبناني، وتحديدًا ما يتعلق بانسحاب حزب الله من مناطق جنوب الليطاني، فيما يغيب الحديث الواضح والملزم عن انسحاب إسرائيل أو وقف اعتداءاتها المتكررة، مقابل إلزام المقاومة بوقف عملياتها العسكرية.

 

وتزداد المخاوف من طبيعة الآليات التي يتضمنها الاتفاق، إذ يبدو أن إسرائيل مُنحت عمليًا دور الحكم الذي سيقيّم أداء السلطة اللبنانية في العمل في “المناطق التجريبية”. وهذا يعني أن تل أبيب ستكون قادرة في أي لحظة على الادعاء بوجود خروقات أو تقصير لبناني، لتقدم لنفسها ذرائع تمكنها من استمرار عدوانها، الأمر الذي يفتح الباب مجددا أمام ما يسمى “حرية الحركة لإسرائيل بذريعة الدفاع عن نفسها”.

 

 

ويستحضر هذا الواقع تجارب سابقة في المنطقة، حيث جرى توقيع اتفاقات في فلسطين قيل إنها تمهد للسلام والاستقرار، لكنها تحولت لاحقًا إلى أدوات ضغط مستمرة استخدمتها إسرائيل لفرض وقائع جديدة على الأرض، ما يشكل نموذجًا تحذيريًا لما يمكن أن يواجهه لبنان في المرحلة المقبلة.

 

يبدو واضحا أن أميركا حاولت من خلال هذا الاتفاق منح رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو “جائزة ترضية”، بعد فشله في تحقيق أهداف الحرب على إيران ولبنان، لذلك فإن الأمور تتجه إلى إعادة ترتيب المشهد بما يخدم المصالح الصهيونية أكثر مما يستجيب للمطالب اللبنانية.

 

والأخطر أن الوقائع الميدانية منذ الإعلان عن الاتفاق لا تعكس اتجاهًا نحو التهدئة. فإسرائيل لم توقف عملياتها العسكرية، بل استمرت في التصعيد والاستهداف حيث نفذت أكثر من مئة عملية عسكرية بواسطة المسيرات الإنتحارية والطيران الحربي والقصف المدفعي والتدمير الممنهج، فيما تواصلت ردود المقاومة على هذه الاعتداءات.

 

هذا الواقع يدفع كثيرين إلى اعتبار أن الاتفاق انتهى عمليًا قبل أن يبدأ، وأنه لم ينجح في تحقيق هدفه الأساسي المتمثل بوقف النار.

 

ومن الطبيعي، في ظل هذه المعطيات، أن يواجه الاتفاق رفضا من حزب الله الذي أكد مرارًا أن أي تسوية يجب أن تقوم على وقف شامل لإطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة، واحترام السيادة اللبنانية بشكل كامل.

 

أما القفز فوق هذه العناوين الأساسية، من شأنه أن يؤدي إلى إنتاج أزمة جديدة بدل معالجة الأزمة القائمة.

 

و”ما يزيد الطين بلة”، هو تأكيد عدد من المسؤولين الإسرائيليين أن العمليات العسكرية لن تتوقف رغم الاتفاق، وأن مشروع المنطقة العازلة لا يزال قائمًا.

 

هذه المواقف تكشف التناقض بين الخطاب السياسي المصاحب للاتفاق والواقع الميداني الذي تسعى إسرائيل إلى فرضه بالقوة.

 

يمكن القول، إن الاتفاق المطروح لا يؤسس لسلام مستدام أو لوقف فعلي للحرب، بقدر ما يشكل محاولة لإدارة الصراع وفق شروط إسرائيلية.

 

وبالتالي فإن الإصرار على استمرار العمل به بصيغته الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التوتر الداخلي اللبناني، ويخلق بيئة خصبة لمزيد من الانقسامات والفتن التي تسعى إسرائيل إلى إشعالها من أجل تسريع مشاريعها التوسعية وفرض وقائع جديدة على الحدود وفي الداخل اللبناني، خصوصا في حال عملت إسرائيل على استثمار بند “عدم وجود نوايا عدائية بينها وبين لبنان” والذي يجب التوقف مليًا عنده، خصوصا أنه منذ الثاني من آذار قتل العدو نحو 3500 شهيد لبناني وجرح أكثر من عشرة آلاف شخصٍ (بحسب وزارة الصحة اللبنانية) ودمر الآلاف من الوحدات السكنية والمؤسسات الاقتصادية وشرّد أكثر من مليون وثلاثمئة مواطن، إضافة إلى الاستفادة من البند الذي يعتبر حزب الله عدوا لها ولأميركا وللسلطة اللبنانية.