Beirut weather 19.65 ° C
تاريخ النشر May 20, 2026
A A A
إيران أكبر اختبار لأكبر قوة حول حدود القوة
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

– هنا ليست فنزويلا وليس العراق ولا أفغانستان ولا حتى فيتنام، هذه هي معادلة طهران التي تبلغتها واشنطن بالحديد والنار، حيث الفشل ليس نتيجة لاحقة لوقوع الاحتلال والنجاح العسكري، بل الفشل يصيب العمل العسكري نفسه، وتظهر حدود القوة كما لم تظهر من قبل، لتصبح الحرب على إيران أبعد من حجم الملف النووي وحجم الجغرافيا السياسية للمنطقة، بقدر ما هي مسألة ما تستطيعه قوة كبرى مثل أميركا في مواجهة قوة متوسطة الحجم والقوة تملك إرادة المواجهة وقرارها المستقل وتقنياتها المستقلة، وهي أول مواجهة من نوعها منذ بدء سيطرة الغرب على مسرح الحروب قبل ثلاثمئة عام.

 

– لم تكن الحرب الأميركية على إيران مجرد قرار عسكري تقليدي اتخذته إدارة دونالد ترامب استجابة لتطور أمني محدد، بل جاءت نتيجة تداخل معقد بين الرؤية الاستراتيجية لإعادة تعويم مشروع السيطرة على العالم بعد التراجعات المتعددة الوجوه، والحسابات السياسية الداخلية، وضغوط التحالف مع “إسرائيل”، والتقديرات الاستخباراتية والعسكرية، والرهانات الاقتصادية المرتبطة بالنفط والحصار. لكن ما بدا في البداية كخطة سريعة لتحقيق “ضربة حاسمة” تحوّل تدريجياً إلى اختبار مكلف كشف حدود القوة الأميركية وحدود القدرة على تحويل التفوق العسكري الكمي إلى إنجاز استراتيجي نوعي.

 

– سياسياً، رأت إدارة ترامب في الحرب فرصة لتقديم الرئيس بصورة “القائد الحازم” القادر على استخدام القوة واستعادة الردع الأميركي، خصوصاً في لحظة كانت الإدارة تواجه فيها أزمات داخلية وضغوطاً انتخابية على خلفية تراجع استراتيجي أمام صعود اقتصادي متسارع للصين وصعود عسكري بائن لروسيا. كما لعبت العلاقة الوثيقة مع “إسرائيل” دوراً محورياً في دفع البيت الأبيض نحو خيارات أكثر تصعيداً. وقد جاءت استقالة جوزيف كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، لتكشف حجم الاعتراض داخل مؤسسات الدولة نفسها، بعدما كتب في رسالة استقالته في 17 آذار 2026 ويقول فيها إنه لا يستطيع “دعم الحرب الجارية على إيران بضمير مرتاح”، معتبراً أنها جاءت “بضغط من “إسرائيل” ولوبياتها في الولايات المتحدة”.

 

– عسكرياً، قامت الخطة الأميركية على فرضية أن الضربات الجوية المركزة وعمليات “قطع الرأس” يمكن أن تشلّ القيادة الإيرانية وتدفع النظام إلى الانهيار أو الاستسلام السريع. ولهذا كرّر ترامب بعد الضربات تصريحات قال فيها إن منشآت حيوية “أُبيدت بالكامل”، وإن البرنامجين النووي والصاروخي تلقيا ضربة قاصمة وإن جيلين كاملين من القادة قد تم القضاء عليهما. واستندت هذه الرواية إلى تصور أن الضربات الأولى كافية لتغيير ميزان القوى وفرض وقائع سياسية جديدة خلال فترة قصيرة.

 

– كشفت التطورات اللاحقة محدودية هذه الفرضيات. كما تؤكد التقارير الاستخباراتية الأميركية، بينها ما نشرته واشنطن بوست في 7 أيار 2026، حيث تحدثت عن أن إيران احتفظت بجزء كبير من قدراتها الصاروخية، وأن نحو 70% من المخزون بقي قابلاً للاستعادة التشغيلية، كما أشارت التقديرات إلى قدرة إيران على تحمل الحصار البحري لفترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر أو أكثر. هذا التباين بين الخطاب السياسي والتقدير الاستخباراتي كشف أن الحرب لم تحقق هدف “الشلل السريع”، وأن بنية الدولة الإيرانية وقدرتها على التكيف كانت أكبر بكثير مما افترضته الخطة الأميركية.

 

– اقتصادياً، افترضت الإدارة الأميركية أن حصار الموانئ ومنع صادرات النفط سيؤديان إلى خنق سريع للاقتصاد الإيراني. وأعلن ترامب أن إيران تخسر “500 مليون دولار يومياً” نتيجة الحصار. لكن الأرقام الفعليّة أظهرت مبالغة واضحة في الحسابات السياسية. فإنتاج إيران يقدر بنحو 3.5 ملايين برميل يومياً، يذهب مليونا برميل يومياً منه للاستهلاك الداخلي، بينما تستمر الصادرات عبر مسارات بحرية وبرية متعددة، بينها تركيا وأذربيجان، إضافة إلى شبكات تهريب وتبادل تجاري مكنت طهران من تقليص أثر الحصار إلى نسبة 10% من أرقام ترامب يعوض نسبة كبيرة منها فارق سعر النفط الذي نتج عن الحرب.

 

– المفارقة أن الحصار نفسه بدأ يتحول إلى عبء على الولايات المتحدة وحلفائها. حيث تعطيل الملاحة وارتفاع أسعار النفط وتهديد هرمز وباب المندب انعكس مباشرة على الأسواق العالميّة، فيما حذرت تقديرات مجلس المستشارين الاقتصاديين في واشنطن واللجان البرلمانية من آثار تضخّمية خطيرة ومن احتمال ارتفاع كبير في أسعار الطاقة داخل الولايات المتحدة نفسها، وبلغت نسبة غلاء الأسعار في أسواق الاستهلاك الأميركي بالمفرق ما بين 50-70% ما أرهق كاهل المستهلكين، وبدأ يتسبّب باضطرابات اجتماعية واقتصادية أبرزها إفلاس آلاف الشركات وخسارة عشرات الآلاف من فرص العمل.

 

– لم تتضمّن الخطة الأصلية للحرب تصوراً واقعياً لما بعد الضربة الأولى؛ لأن الإدارة بنت استراتيجيتها على فرضية أن الضغط العسكري والحصار الاقتصادي سيؤديان إلى انهيار سريع أو استسلام سياسي، لكنها لم تضع تصوراً واضحاً لكيفية إدارة حرب استنزاف طويلة أو كيفية التعامل مع صمود إيراني مدعوم بقدرات صاروخية وشبكات إقليمية وممرات جغرافية معقدة. والنتيجة أن الحرب تحولت تدريجياً من مشروع “حسم سريع” إلى ورطة تبحث عن مخرج سياسي. فلا النظام الإيراني سقط، ولا البرنامج الصاروخي انتهى، ولا الحصار حقق الخنق الموعود، بينما ارتفعت الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على الولايات المتحدة وحلفائها.

 

– المشكلة لم تكن في نقص القوة العسكرية الأميركية، بل في المبالغة في تقدير ما تستطيع هذه القوة تحقيقه سياسياً واستراتيجياً. طالما أن الضربات التكتيكية يمكن أن تدمر أهدافاً أو تقتل قادة، لكنها لا تكفي وحدها لإسقاط دولة بحجم إيران أو فرض استسلامها، خصوصاً عندما تكون الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية جزءاً من معادلة الصراع. ولهذا تبدو الحرب، في حصيلتها الحالية، اختباراً لفشل الافتراضات أكثر مما هي دليل على نجاح القوة. فقد أثبتت التجربة أن تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز استراتيجي يحتاج إلى رؤية سياسية متماسكة وخطة لما بعد الحرب، لا مجرد رهان على “الصدمة والرعب” أو على انهيار سريع لم يتحقق.