Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر September 24, 2026
A A A
إعادة ترصيد حسابات مفاوضات نيويورك
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

بعد تثبيت أن ما جرى في نيويورك كان تفاوضاً غير مباشر عبر الوسطاء، تتبدّل قراءة الحدث. لم تتراجع إيران عن موقفها حيال اللقاء المباشر، ولم يثبت أنها قدّمت تنازلاً في شكل التفاوض مقابل تنازل أميركي في المضمون. تقول طهران إن الاتصال خُصّص لإبلاغ شروطها، وفي مقدمتها رفع الحصار البحري، والإفراج عن الأموال المجمدة، وإنهاء الحرب على جبهات المنطقة. وأكد ويتكوف أن التواصل جرى عبر الوسطاء. لذلك يصبح السؤال: لماذا قبلت واشنطن فتح هذا المسار، ثم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما جرى بأنه «مثمر للغاية» وتحدّث عن جولة تالية، إذا كانت الشروط المبلّغة هي نفسها التي تعرفها منذ أسابيع؟

الجواب المحتمل لا يبدأ من قاعة المحادثات في نيويورك، بل من الطريق إليها. زار رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بكين في الثامن من أيلول، وبحث مع وزير الخارجية الصيني وانغ يي مخرجاً يضمن حرية الملاحة ويفتح الطريق لاتفاق شامل. ثم وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في السادس عشر منه. ومن هناك أعلنت الصين سقفاً سياسياً واضحاً: العودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد، وإعادة بناء آلية التفاوض انطلاقاً من التفاهمات السابقة، وإجراء مشاورات جدّية بشأن القضايا العالقة. كما سبق لبكين وإسلام آباد تنسيق موقفيهما حول الحرب والوساطة مع زيارة رئيس وزراء باكستان للصين. هذه محطات معلنة؛

اكتسب هذا السقف الصيني وزناً إضافياً عندما دعا وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا، في بيانهم الصادر على هامش اجتماعات نيويورك، إلى التمسك بمذكرة إسلام آباد طريقاً للسلام والاستقرار. ليست الدول الأربع مراقبة بعيدة عن واشنطن؛ بينها حلفاء أميركيون وأصدقاء مشتركون لبكين وواشنطن ووسطاء معنيون مباشرة بأمن الخليج ونتائج الحرب. لذلك يبدو تلاقي البيان الرباعي مع الموقف الصيني إشارة إلى أرضيّة يجري الدفع نحوها من جهتين، وإن لم يكن دليلاً على اتفاق أميركي إيراني مكتمل. وقد يكون ما وصفه ترامب بالإنتاجيّة هو نجاح الوسطاء في إبقاء هذه الأرضيّة قابلة للبحث، لا موافقة إيران على تعديل شروطها.

هنا يدخل لقاء ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ، المقرّر في واشنطن في الرابع والعشرين من أيلول، في صلب الحساب. عشية اللقاء، بحث وزيرا خارجيّة الدولتين، وانغ يي وماركو روبيو، التحضير لاتصالات البلدين رفيعة المستوى، وتناولا وضع الشرق الأوسط بعد زيارة عراقجي إلى بكين. ليست إيران الملف الوحيد على جدول القمّة؛ هناك التجارة والتكنولوجيا وتايوان أيضاً. لكن الصين تملك مصلحة حيويّة في استقرار إمدادات الطاقة، وعلاقة تمكّنها من مخاطبة طهران، خصوصاً مع مخاطر إغلاق مضيق باب المندب إضافة لمضيق هرمز، فيما تملك واشنطن القرار المطلوب لرفع الحصار ووقف التصعيد. لذلك يُرجّح أن تنتقل حصيلة الرسائل المتبادلة في نيويورك إلى لقاء الرئيسين، لبحث ما إذا كان ممكناً تحويل العودة إلى مذكرة إسلام آباد إلى مسار تنفيذيّ.

يزيد احتمال التسوية الأوسع أيضاً عودة الحركة المفاجئة إلى ملفات إقليميّة أخرى، وفي مقدّمتها غزة. ويكتسب كلام روبيو عن تجنب أزمة جديدة في الضفة الغربية دلالة في هذا السياق؛ فهو وضع الضفة بين بؤر التوتر القائمة في غزة ولبنان والسعودية واليمن وإيران. إذا كان المطلوب إقناع طهران بمخرج يشمل هرمز وجبهات المنطقة، فلا يمكن ترك كل جبهة معرّضة للانفجار في اليوم التالي للاتفاق. لكن ينبغي اختبار هذا التوجه بالأفعال: وقف التصعيد في غزة والضفة، وتقدم فعلي في لبنان واليمن، لا بمجرد جمع أسمائها في خطاب دبلوماسيّ.

تبقى فرضية أخرى، أن واشنطن تفاوض لإظهار استنفاد الوسائل السياسية قبل الحرب. غير أن اليمن يجعلها أقل ترجيحاً في اللحظة الراهنة. فقد تراجع ترامب عن ضربات أميركية كانت مطروحة ضد قوات صنعاء، خشية اتساع التورط، رغم ضغط السعوديّة. فكيف يختار حرباً أكبر مع إيران، يعرف أنها قد تستدعي الردّ على القواعد والمنشآت والملاحة في المنطقة، بينما يحجم عن جبهة يمنية أقل اتساعاً؟ وهل يمكن أن يطلب من دول الخليج تحمّل نتائج حربه على إيران بما فيها من خراب كبير وشلل اقتصادي على خلفية أزمة خانقة، وهو يقول للخليج لن أخوض حربكم في اليمن؟ وفوق المخاطر السياسية والعسكرية، فإن حرب استنزاف جديدة تمثل ضغطاً على الذخائر الدفاعية وأسواق النفط والديزل والبنزين، وعلى حكومات بدأت تواجه كلفة الطاقة داخلياً. قد لا تلغي هذه الحسابات خطر الحرب، لكنها تفسّر لماذا صار البحث عن مخرج أكثر جدية.

الأرجح، إذاً، اننا أمام محاولة أميركيّة لفتح طريق التسوية، مهدت لها حركة الوسطاء، ورسمت الصين والبيان الرباعيّ مرجعيّتها بمذكرة إسلام آباد. نيويورك اختبرت إمكان استئناف التفاوض من دون تغيير شروط إيران أو صيغته غير المباشرة. ولقاء ترامب وشي قد يحدّد ما إذا كانت واشنطن مستعدة للانتقال من اختبار الطريق إلى السير فيه. عندها يُقاس التفاؤل الأميركيّ بقرارات تخصّ الحصار والأموال ووقف الحرب على الجبهات، ويُقاس نجاح الوساطة بعودة الملاحة ضمن اتفاق يطوي الحرب، لا بتصريح جديد يصف المحادثات بأنها مثمرة.