Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر August 22, 2026
A A A
أزمة الديون الأميركية الفشل الأهم لترامب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

تقدّم الولايات المتحدة نفسها طبيباً للاقتصاد العالمي، فتراقب موازنات الدول، وتصدر التصنيفات والتوصيات، وتفرض برامج التقشف والإصلاح، وتعاقب من يخالف وصفاتها. لكن تجاوز الدين الأميركي حاجز الـ 40 تريليون دولار، بالتزامن مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة وتدخل الحكومة لشراء سنداتها، يكشف أن الطبيب الذي يداوي الناس صار هو نفسه عليلاً، وأن المشكلة لم تعد أزمة موروثة فقط، بل فشل وصفة أعلن الرئيس دونالد ترامب امتلاكها.

في آذار 2016، عندما كان الدين نحو 19 تريليون دولار، وعد ترامب بالتخلص منه خلال ثماني سنوات، وقال إن إعادة التفاوض على الاتفاقات التجارية وتحقيق نمو اقتصادي مرتفع سيوفران الأموال اللازمة. لكنه تسلّم الرئاسة الأولى والدين 19.95 تريليون دولار، وغادرها وقد بلغ 27.75 تريليوناً، بزيادة 7.8 تريليونات، منها 7.2 تريليونات في الدين المملوك للجمهور. وحتّى لو تذرع بأن جائحة كورونا قد ساهمت في القفزة، إلا أن العجز كان يتجه نحو تريليون دولار قبل الجائحة بفعل التخفيضات الضريبية وزيادة الإنفاق.

عاد ترامب إلى الرئاسة عام 2025، وحمّل الديمقراطيين مسؤولية الدين، وكرر أنه يملك الدواء الشافي: النمو السريع والرسوم الجمركية وخفض الإنفاق. وقال إن الرسوم ستدر مئات المليارات، وتعيد الصناعة إلى أميركا، وتقلص العجز، وتتيح سداد الدين. لكن الدين واصل الصعود حتى تجاوز 40 تريليون دولار، أي أكثر من ضعفي مستواه عندما دخل ترامب البيت الأبيض للمرة الأولى، بزيادة 10% خلال ثمانية شهور، وبزيادة بلغت قيمتها 3.7 تريليونات.

وفق البنك الدولي، بلغ الناتج الأميركي عام 2025 نحو 30.77 تريليون دولار، بينما بلغ الدين في نهاية العام 37.64 تريليوناً، أي 122% من الناتج. ومع وصول الدين إلى أكثر من 40 تريليوناً، أصبح يساوي أكثر من 130% من آخر ناتج سنوي مكتمل. وتبدأ منطقة الخطر عندما يتجاوز الدين 100% من الناتج، لأن كل ارتفاع في الفائدة يتحول إلى عبء مضاعف، وتصبح الدولة أكثر حساسية لتباطؤ النمو وتراجع الإيرادات وضعف ثقة المستثمرين.

هنا يصبح استمرار ارتفاع الدين حكماً على وصفة ترامب، لا مجرد علامة أزمة. فلو كان النمو الذي وعد به أسرع من نمو الدين، لتراجعت نسبة الدين إلى الناتج. ولو كانت الرسوم قادرة على سد فجوة الموازنة، لتراجع العجز والحاجة إلى الاقتراض. لكن الرسوم حققت عام 2025 إيرادات صافية تقدر بنحو 264 مليار دولار، بينما يقترب العجز السنوي من تريليوني دولار. أي إن الرسوم، حتى في مستوياتها الاستثنائية، لا تغطي سوى 13% من العجز، فضلاً عن أصل الدين.

وتحمل الرسوم مفعولاً معاكساً أيضاً، لأنها ترفع أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، وتغذّي التضخم، فتدفع المستثمرين إلى طلب فوائد أعلى على السندات. وهكذا يتحوّل الدواء المعلن إلى جزء من المرض: رسوم لتمويل الدين، لكنها ترفع التضخم، والتضخم يرفع الفائدة، والفائدة توسّع العجز، والعجز يضيف ديوناً جديدة.

يقرع جرس الإنذار عندما ظهرت علامات الفشل في سوق السندات. ففي الخامس من آب أعلنت الخزانة إصدار 125 مليار دولار، منها 96.3 ملياراً لتسديد سندات استحقت في الخامس عشر من آب، و28.7 ملياراً فقط أموالاً جديدة. أي إن أكثر من ثلاثة أرباع الإصدار استخدمت لتسديد دين قديم بدين جديد، لكن بفائدة أعلى.

بلغ عائد سندات الثلاثين سنة في مزاد الثالث عشر من آب 5.216%، بعدما اعتادت الخزانة الاقتراض الطويل بفوائد تقترب من 2%. وهذا يعني أن كل مئة مليار دولار يجري تجديدها قد تقفز كلفتها السنوية من ملياري دولار إلى أكثر من خمسة مليارات. وبلغت الفائدة الإجمالية على الدين نحو 1.17 تريليون دولار منذ بداية السنة المالية حتى تموز، وأصبحت قرابة 19% من الإنفاق الفيدرالي، وقد تصبح تريليوني دولار مع اكتمال السنة.

جاء الدليل الأوضح عندما أعلنت الخزانة في التاسع عشر من آب مضاعفة إعادة شراء السندات الطويلة من ملياري دولار إلى أربعة مليارات على الأقل في العملية الواحدة، ثم قال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن المبلغ قد يرتفع أكثر. سمّت الخزانة العملية دعماً للسيولة، لكن المعنى الاقتصادي واضح: لم يعد السوق يستوعب السندات بالكميات والأسعار التي تتحملها الموازنة، فهبطت أسعارها وارتفعت عوائدها، واضطرت الحكومة إلى التدخل كمشترٍ.

لا تشتري الخزانة سنداتها مباشرة في المزاد الأولي، لكنها تبيع ديناً جديداً ثم تستخدم أموال الاقتراض لشراء سندات حكومية قديمة من السوق الثانوية. وتعترف وثائقها بأن الإصدارات الجديدة تستبدل السندات التي يعاد شراؤها، فلا ينخفض الاقتراض الصافي. إنها تعالج فائض السندات بمزيد من السندات، وتصنع طلباً على الدين بواسطة دين جديد.

وكانت أميركا تستطيع إدارة هذه الحلقة عندما كان العالم يحتاج إلى كل دولار تصدره. لكن استخدام العقوبات والمصادرة والحرمان من النظام المالي حوّل الدولار من مخزن عالمي محايد إلى سلاح سياسي، ودفع الصين وروسيا وإيران ودول بريكس إلى توسيع التسويات بالعملات الوطنية وزيادة مشتريات الذهب. وإذا كان لا يزال الدولار أولاً، لكن قدرة العالم على امتصاص ما تطبعه واشنطن تتراجع.

هكذا تكتمل حركة اقتصاد الزومبي: دين جديد لسداد دين مستحق، وفائدة أعلى توسع العجز، وعجز أكبر يفرض إصدارات إضافية، ثم تدخل حكومي لشراء السندات. لذلك لا يمثل تجاوز الدين 40 تريليوناً مجرد أزمة في عهد ترامب، بل إعلان فشل للوصفة التي وعد بها، فلا النمو سبق الدين، ولا الرسوم أطفأت العجز، ولا سوق السندات صدّق أن الطبيب الذي يريد أن يداوي الآخرين قادر على علاج نفسه.