Beirut weather 21.88 ° C
تاريخ النشر April 23, 2026
A A A
آمال خليل قرية لبنانية تم اغتيالها عمدا
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

تشبه حكاية الإعلامية الشهيدة آمال خليل مع الجنوب والإعلام حكاية الإعلامي الشهيد علي شعيب، وقد تقاسما لعقود جغرافيا التغطية الإعلامية التي كان مسرحها القطاع الشرقي عند علي شعيب رغم تجواله على كل قطاعات الجنوب، والقطاع الأوسط مسرحها عند آمال خليل رغم كرمها بالتفقد المستمر لكل زوايا الجنوب وقراه. ومثلما كان الاحتلال يترصد تنقلات علي شعيب وينتظر لحظة الانقضاض عليه لقتله، كانت رحلة آمال الصحافية مخاطرة مستمرة بالتعرض للاغتيال والقتل. ومثلما كان قرار علي شعيب البقاء في الجنوب حتى الارتقاء شهيداً كان قرار آمال خليل الالتصاق بالأرض حتى التماهي بين الدم والتراب في رحلة الشهادة.

الصحافيون الذاهبون إلى الجنوب والعاملون فيه كانوا ينقسمون بين الالتحاق بعلي شعيب أو آمال خليل، حيث يلقون صدراً رحباً يتسع لحب الجميع وخزان معلومات ودليل عمل يوضع في خدمة أي زميل أو زميلة، والمعنيون المتابعون لما يجري في الجنوب على مدار الساعة كان لهم أحد مرجعين، علي شعيب وآمال خليل، حيث الاتصال بأحدهما يكفي لمعرفة تفاصيل ما يجري في الجنوب واستيضاح تفاصيل جغرافيا المعارك وسيناريوهات الحرب وتفاصيل ما تجب معرفته عن كل قرية أو بلدة وأحيائها وناسها وعائلاتها، وكلما اتصل السؤال بقرية حدودية كانت المعلومات أشد وفرة وغزارة، وفي القرى التي غادرها أغلب سكانها، كان علي وكانت آمال من ساكنيها الجدد، يعرفهما الناس جيداً ويستضيفونهما في بيوتهم غالباً، وخلال ساعات كان علي وكانت آمال يصبحان خزان معلومات القرية وتفاصيل الجغرافيا والديمغرافيا والسياسة فيها؛ موسوعة متنقلة لا تبخل بنقل المعرفة لكل سائل.

آمال خليل تحوّلت إلى قطعة من تراب الجنوب لا تغادره، وتلتصق بأرضه كأنها شجرة توت على بوابة الدار، أو شجرة صبار على سياج الحاكورة، تعشق أشجار التين والزيتون وتستظل بها غالباً من طائرات الاحتلال المسيّرة التي كانت ترافق جولاتها الإعلامية غالباً، ترصدها وتوثق تنقلاتها، ربما بانتظار أمر عمليات بأن ساعة الاغتيال قد حانت، وهي لم يساورها شك في أن ساعة كهذه آتية، لكنها لم ترتبك ولم تتردد في قرار البقاء والإصرار على مواصلة مسيرة المهنة التي تحولت معها إلى رسالة في الوطنية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، حتى صارت سيرتها وثيقة إدانة لأهل السلطة. وكثيراً كان ما تقدمه آمال خليل لسكان القرى، للأطفال وكبار السن والمرضى، ما لا يخطر ببال مسؤول تقديمه، وكثيراً ما كان الناس يرددون حكايات وحكايات عن هذه الأيقونة المتنقلة بين وديان وهضاب وقرى الجنوب بعشق ما بعده عشق، عشقها للأرض وعشق أهل الأرض لها.

قبل شهور قليلة نظمت شبكة كلنا غزة كلنا فلسطين احتفالاً تكريمياً للاعلاميين، وبالطبع كان التركيز على الإعلام المقاوم، وبالتأكيد كان اسم علي شعيب واسم آمال خليل في الطليعة، واللافت لكن البديهي أنني عندما اتصلت بعلي وآمال تلقيت جواباً واحداً، وأنا أعرف كم يعرفان عن تقديري ومحبتي لهما وأعرف كم يكنّان لي من محبة وتقدير، وجاء الجواب اعتزازاً بالاختيار وشكرا على الالتفاتة، لكن مع الاعتذار والسبب واحد، أنا لن أغادر الجنوب ولا أغادر في هذه الأيام حتى للعلاج من مرض أو للقيام بواجب عائلي. فلم أجد الكلمات للإصرار على الدعوة، وخرج الدعاء لهما تلقائياً فوجدتني أقول، الله يحميك، الله يحميكي، دير بالك على حالك، وديري بالك على حالك.

المخجل هو أن هناك من سوف يذهب اليوم لمصافحة القاتل تحت مسمّى التفاوض، ودماء الشهداء قد جبلت بتراب الجنوب، ولا زال التراب طرياً. والمخجل هو أن السلطة تعاملت مع قضية إنقاذ آمال خليل التي بقيت تحت الأنقاض في لحظات حياتها الأخيرة لساعات، وكأنها أقلّ من قضية إصلاح قسطل مياه، وبدلاً من أن تستنفر دبلوماسيتها وترسل وحدات من الجيش تكفي لتحدّي الاحتلال وتهدّد بمقاطعة جلسة التفاوض، اكتفت بالاتصال بالصليب الأحمر الذي لم يترك شبابه وصباياه وسيلة لإنقاذ آمال إلا واستخدموها.

تغادرنا اليوم آمال شهيدة عظيمة، وقبلها غادرنا علي شعيب في الموكب نفسه، بنيران غادرة استهدفت إعلاميين لا يحملون إلا الحبر والمذياع والكاميرا، والقتل العمد ثابت، فهل ما سوف تفعله السلطة غير تكرار الكلام عن سوف نتابع الأمر ولن نتهاون في ملاحقة الجريمة، ونقوم بإعداد الملفات اللازمة لاتخاذ التدابير المناسبة، إلى أن يستهدف إعلامي آخر ويرتقي شهيداً ونسمع تكرار الكلام؟

لم ينتظر علي ولم تنتظر آمال أن ينصفهم أهل السلطة، يكفي أن الشعب ينظر إليهما أيقونات مضيئة، سوف نحمل صورهما يوم النصر العظيم الآتي بلا ريب، لأن شعباً فيه أمثال علي وآمال لن يهزم. سنحمل دمهما ودماء الشهداء ونمضي بألم وصبر على الأوجاع حتى تشرق شمس الحرية التي أضاء شعلتها الشهداء.

آمال خليل قرية لبنانية تمّ هدم منازلها وجرف حجارتها، هي قرية لبنانية في أقصى الجنوب تم اغتيالها عمداً، حتى تماهت مع التراب بدمها تضيء شعلة الحرية.