Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر October 6, 2026
A A A
3 تقارير اممية عن احوال الفقر والعوز عند اللبنانيين: 55% من العائلات لا توفر 3 وجبات!

كتبت زينب بزي:

يبدو أنّ السلطة في لبنان لا تقرأ التقارير التي تصدر تباعاً عن أحوال الناس، أو أنها تقرأها ولا ترى فيها ما يستدعي تغييراً في طريقة إدارتها للأزمة، هذا إن كان يمكن وصف ما تقوم به بـ«الإدارة». فبينما تنشغل الحكومة بملفات السيادة وحصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، تقول أرقام العام 2026 إن 799,207 من اللبنانيين باتوا بحاجة إلى دعم في الحاجات من الغذاء وفق معايير الصحة العالمية. فيما تخفّض بعض الأسر غذاء أطفالها وطبابتهم وتعليمهم، وتبيع أسر أخرى ممتلكاتها والأدوات التي تؤمّن لها دخلاً، كي تستمر. هذه خلاصة ثلاثة تقارير أممية صدرت أو حُدّثت في العام الحالي، ترسم المسار نفسه: تقرير اليونيسف «كابوس مستمر»، وتقرير المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن الاحتياجات التمويلية الحرجة، ولوحة متابعة قطاع التغذية ضمن خطة الاستجابة للبنان.

تقول أرقام اليونيسف إن الأزمة لم تعد مجرد تراجع في القدرة الشرائية. وفي تقييم أُجري في تموز عبر مقابلات هاتفية مع 3,016 شخصاً في مختلف أنحاء لبنان، صرّح 82% من ارباب الأسر المشمولة بالتقييم، أن تأمين الحاجات الأساسية أصبح أصعب مُقارنة بما كان عليه قبل ثلاثة أشهر. والأخطر هو ما تفعله الأسر لتعويض العجز: 55% لا تستطيع توفير ثلاث وجبات يومياً لأطفالها، و25% باعت موجودات منزلية، و20% باعت أصولاً تُستخدم في الإنتاج أو توليد الدخل.

هذا ليس فقراً فقط. عندما تبيع الأسرة مُقتنيات منزلية، تكون قد بدأت بتصفية ما تملك. وعندما تبيع أداة أو أصلاً يدرّ عليها دخلاً، تكون قد بدأت بتصفية قدرتها على الكسب نفسها. أي إنها تموّل يومها من مستقبلها. فالمقصلة نفسها تمرّ على الصحة والتعليم، إذ خفّضت 61% من الأسر إنفاقها الصحي، ولم تتمكّن 38% من تأمين الأدوية الأساسية لأطفالها، فيما قالت 31% إن أطفالها لم يحصلوا على الرعاية التي احتاجوا إليها، أساساً بسبب الكلفة. وفي التعليم، خفّضت 46% من الأسر الإنفاق، واضطرت 17% إلى وقف تعليم أطفالها. وفي الوقت نفسه، أصبحت 14% من الأسر تضم طفلاً واحداً على الأقل يعمل، مقابل 6% في كانون الثاني 2025. أي إن العائلة لا تقف أمام خيار واحد سيّئ، بل أمام سلسلة تنازلات، كل واحدة منها تُستهلك لتغطية التي قبلها.

ويكشف تقرير قطاع التغذية حجم الهوّة المرتبطة بشبكة المساعدات. ففي النصف الأول من عام 2026، كان هناك 1.048 مليون شخص بحاجة إلى دعم في الوجبات الغذائية. استهدف القطاع منهم 679,149 شخصاً، ووصل فعلياً إلى 284,871 حتى نهاية حزيران. وبين اللبنانيين تحديداً، أحصى التقرير 799,207 أشخاص بحاجة إلى تدخّلات في الدعم الغذائي، استهدف منهم 517,607، فيما وصل فعلياً إلى 173,267 شخصاً فقط.
والأهم، أن التقرير لا يتحدّث عن المال وحده، بل عن «فجوة حرجة» في الربط بين الأسر ذات الهشاشة التغذوية ونظام الحماية الاجتماعية الوطني، وعن ضعف المسارات التي يفترض أن تنقل الأسرة من اكتشاف حاجتها إلى حصولها فعلياً على الدعم.

في المقابل، لدى الحكومة برنامج «أمان»، وهناك استراتيجية وطنية للحماية الاجتماعية، لكنّ السياسة لا تُقاس بالأسماء والشعارات، بل بما إذا كانت هذه السياسات تمنع الأسرة من الوصول إلى مرحلة تبيع فيها أداة رزقها أو توقف تعليم طفلها. ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ يبدو أن كل هذه التصفية للمجتمع لا تمسّ تعريف السلطة للسيادة بالقدر نفسه. وربمّا ما تغفله هذه السلطة أنه لا توجد دولة تستطيع أن تطلب من شعبها أن يثق بها وبسيادتها، فيما هو مُحاصر بكلفة فواتيره الشهرية. وليست المُفاضلة هنا بين السيادة والخبز. لكنّ الدولة التي تريد بسط سلطتها يفترض أن تسأل أيضاً ماذا يبقى من هذه السلطة حين يصبح تأمين ثلاث وجبات لطفل، أو دوائه، أو بقائه في المدرسة، خارج قدرة أسرته.

ويظهر جوهر المشكلة في طريقة عمل السلطة نفسها، فهي لا تتحرك غالباً إلا بعدما تصبح الأزمة واقعة: مساعدة بعد العجز، بدل بعد ارتفاع الكلفة، تدخّل بعد النزوح، وبرنامج بعد اتساع الفقر. أمّا الحماية الاجتماعية الفعلية، فوظيفتها أن تمنع الوصول إلى هذه المرحلة، لا أن تحصي من وصلوا إليها. فالتدخّل بعدما باعت الأسرة أداة عملها لا يعيد إليها قدرتها على الإنتاج. والتدخّل بعدما خرج الطفل من المدرسة لا يمحو تلقائياً ما خسره. ودفع مساعدة بعد تراكم الدين لا يعيد الأسرة إلى موقعها السابق.

وفي الوقت نفسه، تتراجع قدرة المنظمات الدولية على سدّ الفراغ. ففي تقرير الـ UNHCR المُحدّث في أيلول عن الاحتياجات التمويلية الحرجة، جاء لبنان في المرتبة الثانية بعد اليمن بين العمليات العشر المشمولة لجهة متطلبات التمويل الحرجة، مع حاجة إلى 27 مليون دولار لأنشطة عاجلة مختارة حتى نهاية 2026. وهذه ليست مُجمل حاجات لبنان، بل التمويل المطلوب لأولويات مُحدّدة لا تزال مُهدّدة حتى نهاية السنة.
وبموازاة ذلك، طلبت اليونيسف 388.5 مليون دولار لتغطية الاستجابة في لبنان خلال 2026، لكنّ نداءها كان مُموّلاً بنسبة 54% فقط حتى نهاية تموز، ما أبقى فجوة تمويل كبيرة.

أي إن النموذج الذي اعتاد أن يترك جزءاً من الحماية للمنظمات والمانحين نفسه يضيق. لهذا، ليست المشكلة في حاجة الحكومة إلى اختراع مساعدة جديدة عند كل رقم سيّئ، بل في استمرار التعامل مع النتائج واحدة تلو الأخرى بعدما تقع. وهذا هو مبدأ «الترقيع» الذي تُتقِنه الدولة فعلياً في مختلف الأمور.