Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر December 23, 2023
A A A
2023 تقفل على ترنّح اقتصادي تحت وطأة حرب غزة وآفاق مستقبليّة قاتمة
الكاتب: سابين عويس - النهار

 

 

جاءت حرب غزة المندلعة منذ شهرين ونصف لتقضي على أي توقعات متفائلة بإمكان خروج الاقتصاد اللبناني من حال التكيّف السلبي مع الانهيار المالي والنقدي، بعد بروز مؤشرات إيجابية تحققت بفعل موسم سياحي ناجح، كان يفترض أن يُستكمل بموسم أعياد واعد.
فحرب غزة وامتدادها الداخلي عبر المواجهات اليومية على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية أرخت بثقلها على الوضع الاقتصادي المترنح أصلاً تحت وطأة أربعة أعوام من الانهيار، وغياب أي إدارة سليمة للأزمة، أو رؤية مستقبلية، من شأنها أن تشير إلى السياسات العامة في المرحلة المقبلة والتوجهات الحكومية للحد من تفاقم الأزمة ووضع البلاد على طريق التعافي. ومع اندلاع حرب غزة، تراجعت أولوية الملف الاقتصادي والمالي أمام تقدّم الأولوية الأمنية في ظل المخاوف الشديدة من انفجار الحرب في أي لحظة. ولم تسع الحكومة أو المجلس النيابي إلى فصل الملف عن التطورات الجنوبية، على نحو تنصرف به المؤسستان إلى إنجاز الإجراءات والخطوات الآيلة إلى تحصين الوضع الداخلي على كل المستويات وفي كل المرافق. وفيما تواصل لجنة المال والموازنة درس مشروع قانون موازنة ٢٠٢٤، تتزايد التساؤلات حيال الهامش المتاح أمام اللجنة لتعديل البنود الضريبية التي تهدد بشل الاقتصاد شللاً كاملاً، وسط توجهات حاسمة بالتزام المشروع السعر الفعلي لصرف الدولار، بحيث يسقط السعر الرسمي المعتمد اليوم وهو ١٥ ألف ليرة، مع كل ما يرتبه هذا الالتزام على سوق القطع في الدرجة الأولى، وعلى مستويات التضخم في درجة موازية.

هذه المخاوف أثارها البنك الدولي في آخر تقرير أصدره أول من أمس ضمن تقرير المرصد الاقتصادي للبنان تحت عنوان “في قبضة أزمة جديدة”، في إشارة إلى الأزمة الناجمة عن حرب غزة، إذ تحدث عن تأثير الصراع في الشرق الأوسط على الاقتصاد اللبناني، وآفاق نموّه وسط فراغ سياسي ومؤسسي طال أمده. وقد توقع البنك الدولي، كما كل التقارير والتوقعات الاقتصادية لنهاية السنة، أن الاقتصاد سيعود إلى حال الركود، ما دامت اختلالات الاقتصاد الكلي قائمة والعجز في الحساب الجاري الذي بلغ ١٢،٨ في المئة من إجمالي الناتج المحلي، والعجز سيتفاقم مدفوعاً بانخفاض سعر العملة والدولرة السريعة للمعاملات الاقتصادية.
لا يفوت البنك الدولي ملاحظة أن حرب غزة عكست خط الأساس الإيجابي الذي كان الاقتصاد قد بدأ يسجّله قبل الصراع ليعيد نموّ الناتج المحلي الإجمالي إلى الانكماش بنسبة ٠،٩ في المئة بعدما كان وصل إلى ٠،٢ في المئة.

والواقع أن كل التقديرات الاقتصادية كانت قد توقفت عند المنحى السلبي الذي سلكه الاقتصاد منذ اندلاع حرب غزة، بعدما بدأ يتلمس طريقه نحو شيء من التعافي، إذ كان الموسم السياحي في الصيف جيداً مع إقبال اللبنانيين المغتربين على المجيء إلى لبنان وتمضية العطلة فيه، فضلاً عن بروز آفاق واعدة مع بدء أعمال التنقيب عن النفط والغاز وعودة تحرك الاستثمارات الاجنبية بعد أعوام من الجمود بسبب الأزمة المالية معطوفة على جائحة كورونا. كما أن حركة التصدير قد سجلت تحسناً فاق فيه حجم الصادرات ثلاثة مليارات دولار.

لكن غموض المشهد السياسي في ظل استمرار تعطل مسار انتخاب رئيس للجمهورية، وما يرتبه من استمرار لتعطل عمل الحكومة والمجلس النيابي، فضلاً عن استمرار الضبابية وسط المخاوف من تدهور الوضع جنوباً في ظل استمرار وتيرة التهديدات الإسرائيلية بتدمير لبنان، كل هذه العوامل ألقت مجدداً بثقلها على المناخ العام، منذرة بسنة مقبلة صعبة مالياً واقتصادياً، يزيدها قتامة غياب أيّ مساعٍ جدية لدى السلطات لإرساء خطوات تستعيد الثقة.

فكل الإجراءات ومشاريع القوانين الإصلاحية لا تزال معلقة، كما المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. وأيّ نقاش اقتصادي جدي يعجز عن الخروج برؤية مستقبلية، بسبب القيود التي يفرضها المشهد السياسي والأمني غياب الإرادة أو القرار السياسي بإخراج البلاد من كبوتها.