Beirut weather 13.41 ° C
تاريخ النشر August 18, 2018
A A A
17 آب 1970 سليمان فرنجيه رئيس “صُنِع” في لبنان
الكاتب: طوني جبرايل فرنجيه - النهار

في زمن أصبح تأليف الحكومات يخضع للقرارات الخارجية والتجاذبات الاقليمية والدولية، بعدما كان هذا الامر مقتصراً على اختيار رئيس الجمهورية، تعود بنا الذاكرة الى 17 آب 1970 تاريخ انتخاب سليمان فرنجيه رئيساً للجمهورية بفارق صوت الشعب، او “صوت الله” كما سمّاه كثيرون يومذاك، لاستخلاص عِبَر الماضي وكيف صُنع هذا الرئيس لبنانياً. فكيف انتُخب رئيساً؟

 

ذات يوم في ثمانينات القرن الماضي، قصدتُ مكتب عميد “النهار” غسان تويني في الحمراء، نزولاً عند رغبته بعد زيارة قام بها لقصر الرئيس فرنجيه في زغرتا، معزياً بأرملته الراحلة ايريس هنديلي فرنجيه، برفقة الزميلة تميمة الدحداح، حفيدة فرنجيه الصحافية في “لوريان – لوجور”.

 

بعد التحية والسلام قال الاستاذ غسان وقد وصلت القهوة: “كتبتُ مقالتي وانا مرتاح من الشغل، اود ان اخبركما كيف انتخبنا الرئيس سليمان فرنجيه رئيساً في “النهار”، قبل مجلس النواب”.

 

وأضاف: “كانت الانتخابات حامية، وكنا كلنا نرغب في إزاحة المكتب الثاني وعدم استمرار الشهابيين في الحكم بعد 12 سنة، 6 سنوات لفؤاد شهاب و6 سنوات لشارل حلو، كان خلالها المكتب الثاني بقيادة غابي لحود يفصل ويأمر ويبتّ وينهي، كيفما يحلو له ووفق ما يريد ويرغب، والانتخابات والاتصالات كانت محتدمة جداً. فالحلف الثلاثي كان ضد وصول مرشح النهج الياس سركيس، وكان مرشحه غير المعلن الرئيس كميل شمعون، ولكن الشيخ بيار الجميل كان مرشحاً ايضا، وكذلك العميد ريمون اده.

 

وكانت جبهة النضال الوطني برئاسة كمال جنبلاط ترغب هي ايضا في عدم استمرار المكتب الثاني في الحكم، وكذلك كتلة الوسط التي كانت تضم الرئيسين كامل الاسعد وصائب سلام ووزير الاقتصاد آنذاك سليمان فرنجيه والحلفاء.

 

بدأنا الاتصالات لتوحيد الجهود، وتوحيد المرشح للتوصل الى الفوز. وعقدنا هنا في هذا المكتب، سلسلة اجتماعات، واجرينا “بوانتاجات” عدة وتوصلنا الى خلاصة ان كميل شمعون لا يمكن ان يُعاد انتخابه، وان سليمان فرنجيه يتمتع بحظوظ افضل.

 

بعد التشاور والاتصالات المعلن منها وغير المعلن، تواعدنا على اجتماع ايضا في هذا المكتب هنا في الحمراء، قبل موعد الجلسة بيومين او ثلاثة، وحضر الاجتماع الرئيس كميل شمعون، الشيخ بيار الجميل، العميد ريمون اده، الرئيس صائب سلام، الرئيس كامل الاسعد، والوزير سليمان فرنجيه. وعرضنا ما آلت اليه الاتصالات والاجتماعات واللقاءات ونتائج “البوانتاجات”، فكان العميد اده اول المقتنعين بالتخلي عن فكرة الترشح، ثم بعد “بوانتاجات” جديدة تخلى بيار الجميل عن الفكرة، لكنه اشار الى ان نواب الكتائب سيصوتون في الدورة الاولى من الانتخابات الرئاسية له ليدوّن اسمه في المحضر، ثم في الدورة الثانية سيصوتون كلهم لمرشح المعارضة الذي نتفق عليه.

 

أعدنا “البوانتاج” واجرينا مزيداً من الاتصالات، فتبيّن لنا ان فرنجيه يجمع صوتين او ثلاثة اكثر من الرئيس شمعون، لكن شمعون ظل يرفض الانسحاب او التخلي عن الترشح، وكاد الاجتماع أن ينفضّ من دون نتيجة، لان شمعون بقي متمسكاً بموقفه الى الآخر. اتصلت بكمال جنبلاط واخبرته الحاصل، فقال: “أُعطي لسليمان فرنجيه اصواتاً من كتلتي اكثر مما أُعطي لشمعون، ولكن سأقسم كتلتي بين النهج والمعارضة، واذا كان فرنجيه مرشحاً فسأعطيه الافضلية على النهج وعلى شمعون”.

 

هنا اخبرت الحضور بما دار بيني وبين جنبلاط وقلت لهم انها فرصة تاريخية حرام ان تضيعوها وتضيعوا معها البلد، وتوجهت بالكلام الى الرئيس شمعون وقلت له: “فخامة الرئيس لبنان في حاجة الى موقف شجاع منكم، ثم ان لآل فرنجيه في رقبتكم ديناً حان الآن وقت تسديده، فقد نام حميد فرنجيه رئيساً سنة 1952 لكن الامور تبدلت في الليل، وتمكن اصدقاؤك البريطانيون من اقناع الفرنسيين بسحبه من المعركة الرئاسية فانتخبتَ انت رئيساً. الآن دورك لتنسحب لسليمان ليُنتخب رئيساً، والمعطيات كلها تشير الى امكان نجاحه، وانتم لا تستطيعون النجاح، فبالله عليك يا فخامة الرئيس انسحب، وإلا لن يكون رئيس قوي من المعارضة يوقف الزحف الشهابي ويضع حداً للمكتب الثاني. فهم الرئيس شمعون الواقع واقتنع بالواقعة، وادرك ان لا حظوظ له. وقال: “انا مع سليمان شرط انو سليمان يوصل”. علا التصفيق،وهنأنا بعضنا البعض بتوحيد الموقف والمرشح، ومن ساعتها بدأنا كلنا بالعمل لوصول سليمان فرنجيه الى رئاسة الجمهورية”.

 

فرنجيه الذي شكر شمعون على الانسحاب، يضيف تويني، “بدأ العمل مع الرئيسين الأسعد وسلام لتأمين الفوز. وكانت “البوانتاجات” كلها تشير الى نيله 50 او 51 صوتاً في مقابل 48 او 49 صوتاً لالياس سركيس، وان عضّ الاصابع سيستمر حتى الورقة الاخيرة من الفرز وهذا ما حصل فعلاً.

 

بعد فرز اصوات الدورة الاولى واحتساب الاصوات التي ذهبت هنا وهناك وفق المفاتيح المقترحة من قبلنا كلنا، تأكدنا ان سليمان فرنجيه سيفوز بـ50 صوتاً، لكن الذي اخافنا كثيراً هو الورقة الرقم 100 في الدورة الثانية، وحتى الساعة لا نعرف ما سببها، فأعيد الانتخاب في دورة جديدة لان دورة الـ100 ورقة لم تفرز.

 

في الدورة الثالثة، كانت النتيجة 50 لفرنجيه و49 لالياس سركيس، وهنا وقعت الواقعة… الرئيس صبري حمادة رئيس مجلس النواب آنذاك، لا يريد الاعتراف بالنتيجة، والبرلمان قام وقعد مئة مرة، الى ان اتصل الرئيس شارل حلو بالرئيس حمادة وابلغه ان موقفه غير قانوني وغير دستوري بالنسبة الى عدم الاعتراف بالنتيجة، وليس من ضرورة لاعادة الانتخابات من جديد.

 

فيما كان موقف النواب الشماليين الشهابيين وعلى رأسهم الرئيس رشيد كرامي يقول بالصوت الصارخ لحمادة اذا أعدتَ الانتخاب فسننتخب سليمان فرنجيه. وهكذا كان، واذاع حمادة النتيجة بعدما كان اذاعها قبلاً نائب الرئيس ميشال ساسين”.

 

وهنا سكت تويني عن الكلام المباح، ولم يُجب عن سؤال طرحته عن صاحب الصوت الخمسين “الذهبي”، لان المعركة كانت على “المنخار” 49 بـ 49 والصوت الواحد هو الصوت المرجّح والذي اعطى الفوز لفرنجيه.

 

هذا السؤال سمعت جواباً عنه من الرئيس الراحل فرنجيه بعد سنوات عندما أبلغه النائب السابق قبلان عيسى الخوري أن “الصوت الخمسين كان صوتي”. فأجابه مبتسماً: “كان صوت المرحوم النائب فؤاد غصن الذي لم يصوّت لحليفه الشهابي الياس سركيس، بل صوّت لجاره الشمالي سليمان فرنجيه”.