Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر March 5, 2026
A A A
وجوه النزوح: قصص ألم لا ترويها الأرقام
الكاتب: حسناء سعادة - موقع المرده

 

 

في أزمات النزوح، لا تُقاس المأساة بالأرقام فقط، بل بالقصص الصغيرة التي تمرّ أحياناً بصمت، لكنها تختصر حجم الألم الإنساني.

في المنية، انتهت حياة نازح بطريقة قاسية ومفاجئة. كان يقود سيارته الرباعية برفقة زوجته عندما أصيب بذبحة قلبية حادة أثناء القيادة اثر الانتقال الشاق من الجنوب الى الشمال، فانحرفت السيارة واصطدمت بحائط. في لحظة واحدة، انطفأت حياة إنسان كان يحاول، مثل آلاف غيره، أن يجد طريقاً للنجاة فيما زوجته اصيبت بجروج.

هذه الحادثة ليست مجرد خبر إنها وجه آخر من وجوه أزمة النزوح التي يعيشها لبنان، فالنزوح ليس فقط انتقالاً من مكان إلى آخر، بل انتقال قاس من حياة مستقرة إلى حياة معلّقة على الاحتمالات والخوف على الحياة وعلى جنى العمر.

في زاوية أخرى من المشهد، نازحة صدمتها سيارة، ربما لأنها كانت تعبر طريقاً لا تعرفه جيداً، أو لأن التعب والخوف كانا أثقل من قدرتها على الانتباه فارتقت الى جوار ربها في مكان غريب عنها وربما ستدفن فيه وديعة يعلم الله متى سيتم نقلها الى مدفن بلدتها.

وفي صورة ثالثة، نازحة انجبت على طريق النزوح بدل المستشفى واخرى حملت معها طائرها المفضل في قفص، خافت على حياة الطائر كخوفها على نفسها. قد تبدو الصورة بسيطة، لكنها تختصر معنى التعلق بما تبقى من الحياة. حين يترك الإنسان منزله وأغراضه وذكرياته، قد لا يبقى له سوى شيء صغير يحمل معه معنى الأمان، حتى لو كان طائراً في قفص.

وفي مكان آخر، لا يزال نازحون يفترشون الطرقات. حقائب قليلة، أطفال متعبون، وعيون تبحث عن مكان آمن لنزوح هو الثاني لهم. لا أسقف تحميهم، ولا يقين يطمئنهم إلى الغد.

أزمة النزوح ليست مجرد ملف سياسي أو أمني، وليست أرقاماً في تقارير المنظمات الدولية. إنها حكايات بشر فقدوا بيوتهم وطرقهم المعتادة في الحياة. كل نازح يحمل قصة، وكل قصة تحمل وجعاً مختلفاً.

صحيح أن لبنان بلد صغير مثقل بالأزمات، وأن قدرته على التحمل ليست بلا حدود لكن وسط هذا الواقع القاسي، تبقى الحقيقة أن النزوح في جوهره مأساة إنسانية ومعاناة قاهرة.

بين رجل فقد حياته فجأة على الطريق، وامرأة تحمل طائرها في قفص، وأسر تفترش الأرض بانتظار صباح أقل قسوة، يتكرر السؤال ذاته: كم من الألم والمعاناة يمر بها النازح قبل أن يجد مكاناً آمناً يضع فيه رأسه وينام ولكن هل يغفو؟…مستحيل فعقله سيبقى دائماً يطوف في ارجاء بلدته التي اجبر على النزوح منها!.