Beirut weather 20.41 ° C
تاريخ النشر March 11, 2026
A A A
هل يكون النفط عامل أساسي يدفع نحو وقف الحرب الأميركية – الإسرائيلية – والإيرانية؟
الكاتب: حسين زلغوط

كتب حسين زلغوط في اللواء 

تتّسع دائرة القلق في الأسواق العالمية مع استمرار الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، في وقت بدأت فيه تداعياتها تتجاوز حدود المواجهة العسكرية لتطال شرايين الاقتصاد العالمي، وفي مقدمها قطاع الطاقة، إذ انه مع كل يوم يمرّ من دون تهدئة، ترتفع المخاوف من أزمة نفطية كبرى قد تعيد العالم إلى مشهد صدمات الطاقة التي هزّت الاقتصاد الدولي في محطات تاريخية سابقة.

 

فالحرب التي اندلعت مع الضربات الجوية والصاروخية التي استهدفت مواقع عسكرية ونووية داخل إيران وقتلها المرشد آية الله علي خامنئي لم تبقَ محصورة في بعدها العسكري. فالقصف الذي طال أمس الأول أيضاً منشآت نفطية إيرانية ومرافق مرتبطة بإنتاج الطاقة فتح الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة يتمثل في تراجع الإمدادات النفطية والغازية من منطقة تعدّ القلب النابض لسوق الطاقة العالمي. وإيران التي تُعدّ من كبار المنتجين في منظمة الدول المصدّرة للنفط تمتلك قدرة مؤثرة في توازنات السوق، وأي خلل في إنتاجها أو تصديرها سيترك حكماً انعكاساً مباشراً على الأسعار.

 

غير أن العنصر الأكثر حساسية في هذه المعادلة يتمثل في مضيق هرمز، الذي يشكّل الشريان البحري الأهم لنقل النفط في العالم. فقرابة خُمس الإمدادات النفطية العالمية يمرّ عبر هذا الممر البحري الضيق الذي يفصل إيران عن دول الخليج. ومع تصاعد التوتر العسكري، تزايدت المخاوف من احتمال إغلاق المضيق أو تعرّضه لاضطرابات أمنية تعطل حركة الناقلات، وهو سيناريو من شأنه أن يقفز بأسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة قد تتجاوز عتبة المئتي دولار للبرميل.

وأبلغ دلالة على أهمية هذا المضيق في مسار هذه الحرب هو ما قاله أمس أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران علي لاريجاني في منشور على «إكس» «إن مضيق هرمز إما أن يكون مضيق انفراج للجميع أو يتحوّل لمضيق اختناق للحالمين بالحروب».

 

كما كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حذّر أمس أيضا، من أن الولايات المتحدة ستردّ بقوة ساحقة في حال أقدمت إيران على تعطيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز.

وتزداد خطورة المشهد مع اتساع نطاق الاستهداف المتبادل لمنشآت الطاقة. فبعد الضربات التي طالت منشآت نفطية داخل إيران، برزت تطورات ميدانية لافتة تمثلت في استهداف مرافق الغاز والنفط في مدينة حيفا عبر الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، ما يعكس انتقال الحرب إلى مستوى جديد يتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية نحو ضرب البنية التحتية للطاقة، وهذا النوع من العمليات يحمل رسالة واضحة مفادها أن شرايين الطاقة في المنطقة باتت ضمن دائرة النار.

 

هذا التحوّل لا يهدّد فقط أمن الطاقة في الشرق الأوسط، بل يضع الاقتصاد العالمي برمّته أمام اختبار صعب. فارتفاع أسعار النفط والغاز سينعكس مباشرة على أسعار النقل والصناعة والكهرباء، وهو ما يؤدي بدوره إلى موجة تضخم عالمية تضرب الاقتصاد على مساحة العالم، ومع هشاشة التعافي الاقتصادي العالمي بعد سنوات من الأزمات، فإن أي صدمة طاقة جديدة قد تدفع الاقتصاد الدولي إلى مرحلة ركود واسعة.

وفي هذا السياق ترى مصادر عليمة أن النفط بدأ يتحوّل إلى عامل ضغط سياسي بامتياز. فالدول الصناعية الكبرى التي تعتمد بشكل كبير على استقرار أسواق الطاقة تدرك أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيكلفها ثمناً اقتصادياً باهظاً. لذلك تتزايد المؤشرات على أن الضغوط الدولية ستتضاعف في المرحلة المقبلة لدفع الأطراف المتصارعة نحو وقف العمليات العسكرية أو على الأقل احتواء التصعيد.

 

وتؤكد أن الدول المنتجة للنفط في الخليج تتابع التطورات بقلق بالغ، إذ إن أي اضطرابا كبيرا في الملاحة في الخليج أو في مضيق هرمز سيهدّد صادراتها النفطية بشكل مباشر، وهذا ما يجعل الاستقرار الإقليمي ضرورة حيوية ليس فقط للدول المستهلكة بل أيضاً للدول المنتجة التي تعتمد اقتصاداتها على استمرار تدفق النفط بشكل طبيعي إلى الأسواق العالمية.

في المقابل، تحاول القوى المتورطة في الصراع أي أميركا وإسرائيل وإيران استخدام ورقة الطاقة كجزء من معركة الردع المتبادل. فإيران تدرك أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرة مؤثرة على أمن الملاحة في الخليج، بينما ترى إسرائيل أن ضرب البنية التحتية للطاقة لدى خصومها يشكّل وسيلة لإضعاف قدراتهم الاقتصادية والعسكرية.

وترى المصادر انه مع تصاعد المخاطر وتزايد التوتر في أسواق الطاقة، يبرز عامل النفط بوصفه أحد أبرز القوى التي قد تدفع نحو إنهاء الحرب. فكلما ارتفعت الأسعار وازدادت المخاوف من تعطّل الإمدادات، تعاظم الضغط الدولي لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.

وتختم لتقول: بين منطق القوة في الميدان ومنطق المصالح الاقتصادية العالمية، تبدو أسواق النفط اليوم وكأنها تتحوّل إلى لاعب خفي في مسار الحرب. فالعالم الذي يعتمد على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط يدرك أن استمرار النار مشتعلة في هذه المنطقة لن يبقى مسألة إقليمية، بل سيتحوّل سريعاً إلى أزمة عالمية شاملة.

ولهذا السبب، قد يكون النفط نفسه هو العامل الذي يدفع في النهاية نحو وقف هذه الحرب، قبل أن تتحوّل إلى شرارة أزمة طاقة كبرى تهدّد الاقتصاد العالمي بأسره.