Beirut weather 18.54 ° C
تاريخ النشر February 20, 2026
A A A
هل يعرف ترامب ماهية قراره النهائي حول إيران؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

– لا يوجد من يقول إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد قرر سلفاً التوصل إلى اتفاق مع إيران، وإن كل ما يجري من حشود هو للقول إنه حاول أقصى ما يستطيع للتهديد بالحرب والتمهيد لخوضها، ليبرر قبوله بالتسوية مع إيران، لكن يوجد كثيرون يقولون إن الرئيس ترامب قد اتخذ بالأساس قراراً بشنّ الحرب على إيران، وإن كل ما يجري من تفاوض هو لنيل أعلى درجات المشروعية للحرب، ولكي يظهر أنه بذل جهوداً جدية للتوصل إلى اتفاق وقبل التفاوض غير المباشر والتفاوض المحصور بالاتفاق النووي، لكنه لم يصل إلى نتيجة فاضطر للذهاب إلى الحرب.

 

– طبعاً مشكلة هذا الرأي أنه لا يستطيع التحدث بثقة عن وصول المفاوضات حول الملف النووي إلى الفشل، كي تتحول المفاوضات الفاشلة إلى مبرر للحرب، خصوصاً أن ايران تبدي مرونة عالية وتطرح بدائل كثيرة للتوصل إلى اتفاق نووي لا يشمل مصير سلاحها الصاروخي وعلاقتها بحركات المقاومة، وإذا كان المقصود بالفشل هو رفض إيران التفاوض على بندي الصواريخ وقوى المقاومة فإن عودة واشنطن لطرحها بالتمسك بشروطها للتفاوض سوف يسقط فرصة تحميل إيران مسؤولية الفشل، بعدما قبلت واشنطن بالتفاوض حصراً على الملف النووي، ووظيفة الذريعة التفاوضية للذهاب إلى الحرب كانت تستدعي تمسك واشنطن بشروطها الأصلية يوم أرسلت لطهران رسالتها الشهيرة، كل شيء أو لا شيء وردت عليها إيران فليكن لا شيء إذن، فتجيب بأن لا تفاوض على الملف النووي دون البنود الأخرى، وتسعى لتسويق طلباتها التفاوضية وتضغط إقليمياً ودولياً لفرضها وعند الفشل تقوم بتحميل إيران مسؤولية الفشل، أما العودة إلى هذه الشروط بعد إحراز تقدم في موقف إيران من الملف النووي نحو اتفاق فسوف يقلب المعادلة ضد أميركا ويجعل حديث الذريعة التفاوضية للذهاب إلى الحرب هزيلاً، وتكون الحرب بدونه أكثر رجحاناً.

 

– يستند البعض إلى القول بحتميّة الحرب إلى قراءة تتصل بحجم الأهداف التي ترتبط بمصالح وحسابات أميركية ضاغطة، من النفط وقطع طريق الصين وتغيير معادلات المنطقة، إلى الحاجة لإنهاء التهديد الوجودي الذي ينتظر “إسرائيل” مع إيران قوية، وكلها عناصر صحيحة وفي مكانها، ويصعب تحقيقها عبر المفاوضات. إن تلبية المصالح الأميركية من قبل إيران يعني أن تقبل إيران بإلغاء ذاتها والاستسلام لتصبح شيئا آخر ربما يكون الأفضل للنظام في إيران بدلاً منه أن يختار ما فعله الرئيس السوري السابق بقبول السقوط على التسليم به، لأن الأهداف الأميركية تجعل النظام الإيراني في حال قبولها صورة عن نظام الشاه مع عمامة، ولذلك لا نقاش في حتمية خيار الحرب من زاوية حجم التباين بين الأهداف الأميركية والقابلية الإيرانية لقبولها، لكن سؤال الحرب مطروح من زاوية أخرى، غير زاوية الرغبات والأهداف والمصالح، هي زاوية الإمكانية العملية لتحقيق الأهداف والمصالح والرغبات عبر خيار الحرب؟

 

– لا نقاش أيضاً بحجم القدرة النارية والتدميرية والتقنية والاستخبارية لأميركا في حال سلوك خيار الحرب، بمعزل عما إذا كانت الحشود الحاليّة حول إيران التي يتخذها البعض دليلاً على حتمية الحرب، هي حشود الحرب فعلاً إذا ما تمت مقارنتها بحشد أكثر من ضعفها خلال قرار الحرب على العراق مع فارق القدرات والمخاطر، وإذا كانت قدرة أميركا ورغباتها ليست أموراً للتشكيك والنقاش، فإن النقاش يدور حول أربعة عناوين، الأول حرب سريعة أو ضربات خاطفة خصوصاً في مجال التأثير على سوق الطاقة، والثاني أمن الأساطيل والقواعد خصوصاً لجهة قدرة إيران على الاستهداف بعد الضربة ودرجة الأمان التي توفرها صواريخ الدفاع الجوي الأميركية، والثالث أمن “إسرائيل”، خصوصاً قدرة إيران على الاحتفاظ بمخزون صاروخي نوعي يسمح بمواصلة استهداف العمق والمنشآت الاستراتيجية في “إسرائيل” بينما تكون “إسرائيل” قد بدأت تستنفد مخزون صواريخ الدفاع الجوي لديها، والرابع إمكانية بلوغ لحظة الضغط لتعديل في بنية القيادة الإيرانية يفتح الطريق لقبول المطالب الأميركية ولو تدريجياً ونسبياً على الطريقة الفنزويلية، أو إمكانية بدء مسار انهيار النظام في إيران بعد زعزعة ثباته وتماسك مؤسساته خلال الحرب.

 

– حرب حزيران العام الماضي أجابت بصورة سلبية على العناوين ثالثاً ورابعاً، حيث بدا أن ثبات النظام وتماسكه أقوى خلال الحرب مما قبلها، كما بدا أن إيران في الأيام الأخيرة من الحرب كانت أكثر ارتياحاً في إطلاق صواريخها وتحقيق أهدافها في إصابة المنشآت الإسرائيلية، مقابل تراجع قدرات “إسرائيل” في التعامل مع الصواريخ الإيرانية كماً ونوعاً، يبقى مصير سوق الطاقة وأمن الأساطيل والقواعد الأميركية، وهو ما بدت الرسائل الإيرانية الميدانية مركزة حوله، وجاء بكلام المرشد السيد علي الخامنئي عن إغراق حاملات الطائرات، أو مناورة الحرس الثوري البحرية لإغلاق مضيق هرمز.

 

– الأرجح أن الرئيس ترامب لم يتخذ قراره بعد، وأن كلام ليندسي غراهام عن قرار اتخذ ليس حرباً نفسية بل كذبة جديدة من كذبات وأحلام غراهام، الذي تحدث خلال حرب غزة عن قنبلة نوويّة سوف تحسم الحرب، والأرجح أن ترامب ينتظر التقارير الاستخبارية حول رصد متغيّرات إيرانية يمكن البناء عليها، وينتظر تقارير احترافية عن درجة الثقة بأمان القواعد والأساطيل، وينتظر تقارير عن إمكانية ضربة موجعة يبقى قرار وقف الحرب بعدها بيد واشنطن، وعن حدود المدة التي يمكن تحملها لإغلاق مضيق هرمز وطبيعة المنازلة التي تستطيع القوات الأميركية خوضها لفتح المضيق، إذا أغلقته إيران كما تهدّد.

 

– السؤال هو ماذا لو كانت نتائج التقارير التي ينتظرها ترامب تقول إن “إسرائيل” لن تتحمل طول أمد الحرب الذي تستطيعه إيران، ومثلها سوق الطاقة، وإن أمن القواعد والأساطيل في خطر إذا نشبت الحرب، وإن الضربة الموجهة ممكنة لكنها لن تغير في موقف إيران ولا في تماسك نظامها، وإنه لن يكون بيد أميركا قرار وقف الحرب بعدها، وإنه إذا خرجت إيران بعد الحرب عرجاء فسوف لن توقف الحرب إلا لتضمن خروج “إسرائيل” كسيحة بعدها، وإن الاتفاق النووي الذي يمكن الوصول إليه قبل الحرب، وبدونها، ولو دون اتفاق حول الصواريخ وحركات المقاومة، أفضل من أي تسوية سوف تأتي بعد الحرب، إن لم تترتب على الحرب تداعيات تجعل حاجة إيران للاتفاق أقل بكثير؟

 

– لذلك لا يستطيع أحد الجزم بالاختيار بين فرضيتي الحرب والتفاوض نحو اتفاق نووي، لأن ترامب نفسه لا يعلم بعد أين سوف يرسو به مركب القرار النهائي؟