Beirut weather 16.32 ° C
تاريخ النشر March 5, 2026
A A A
هل يتوقع أحد أن يتلو «الحزب» فعل الندامة!؟
الكاتب: جورج شاهين

كتب جورج شاهين في الجمهورية 

 

توسّع البعض في تفسير موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتعبير عن غضبه من «حزب الله»، نتيجة شعوره بـ»الغدر» بعد «صواريخ الجنوب»، في مرحلة كان يبحث فيها عن آلية لتحييد لبنان. قبل أن يُنقَل عنه رفضه الحديث معه قبل «أن يهدأ من حالة الغضب والإستياء التي يمرّ فيها». وعليه، طُرَح السؤال، هل يمكن أن يعلن الحزب «فعل الندامة» عمّا فعل، لتتكرّر تجربة العام 2006 بقول أمينه العام الراحل السيد حسن نصرالله «لو كنتُ أعلم». وعليه، ما الذي يقود إلى هذه المعادلة؟

 

سيَسيل حبرٌ كثيرٌ قبل أن يقول الرئيس نبيه بري كلمته الواضحة والصريحة في كل ما جرى، منذ أن خرقت صواريخ «حزب الله» أجواء المنطقة التي وُضِعَت في عهدة الجيش اللبناني و«اليونيفيل»، منذ تاريخ التوصُّل إلى تفاهم 27 تشرين الثاني 2024 من مجرى نهر الليطاني إلى الحدود مع فلسطين المحتلة، قبل أن تدخل أجواء الجليل الأعلى المحتل. وكل ما يرغب بالإدلاء به المقرّبون منه وأوساطه الرسمية، تدعو إلى انتظار المواقف المعلنة عنه أو عن مكتبه الإعلامي لا أكثر ولا أقل. وهو ما زاد في الغموض حول ما يمكن أن يتخذه الرئيس بري من موقف، يمكن أن يؤثر في موقف الحزب لثَنيِه عن أي «دعسة ناقصة» أخرى، إن كان ذلك ممكناً، ويلغي النتائج السلبية التي قادت إليها صواريخه المتمادية في إطلاقها من دون أي نتيجة يمكن منحها أي قيمة عسكرية، أو العودة عن قرارات قيادته العسكرية، بعدما افتقدت شرعيّتها الرسمية بفعل قرار مجلس الوزراء الذي حظّر نشاطه العسكري والأمني على الأراضي اللبنانية كافة.

 

 

 

وقبل الإشارة إلى أي من التوقعات التي تنحو جميعها إلى السلبية على المستوى العسكري والأمني، بعدما بلغت التهديدات الإسرائيلية – المبرَّرة دولياً – إلى درجة دعوة ما يقلّ عن مليون لبناني بقليل، لإخلاء المدن والقرى الواقعة جنوبي مجرى نهر الليطاني، على خلفية التهديد بعملية عسكرية قد تصل إلى مجرى النهر، على رغم من استبعاد أي خطوة من هذا النوع. لمجرّد أنّ حصولها قد يؤدّي إلى اجتياح المنطقة الموضوعة في عهدة «اليونيفيل» والجيش الشرعي، وخُلِقَت من مواقع ومنشآت ومسلّحي الحزب. لكنّ تردُّدات مثل هذه الدعوة كافية للوصول إلى مرحلة من الانهيار التام، فما تبقّى من مساحة لبنان بعد شطب المنطقة المطلوب إخلاءها لا تتسع للسكان النازحين والمهجّرين إن لبّوا مثل هذه الدعوة.

 

 

 

وإلى هذه المعطيات توجَّهت الأنظار إلى تقييم النتائج التي ترتبت على إطلاق صواريخ الحزب منذ فجر الاثنين الماضي، لتُثير أكثر من ملاحظة وسؤال لم يتوفّر لهما أي جواب حتى اللحظة. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، ما يتصل بالأسباب التي قادته إلى توجيه مسيَّراته إلى قبرص قبل الجليل الأعلى والعمق الإسرائيلي، لتدلّ إلى «المهمّة الخطيرة» التي كُلِّف بها الحزب، سواء كان ذلك، بقرار صدر مباشرة من إيران أو من لبنان. وخصوصاً إن ثَبُت أنّها ستؤدّي حتماً إلى تدمير ما بُنيَ من علاقات مميّزة مع الجزيرة الأوروبية، التي تستضيف آلاف العائلات اللبنانية، كما بالنسبة إلى إعادة قطع ما بُنيَ من «جسور الثقة» مع دول الخليج العربي وفق المبادرة الكويتية التي أُطلقت في 23 كانون الثاني عام 2022، لإعادة وصل ما انقطع مع لبنان، وتحوّلت أراضيها ومنشآتها الحيوية إلى أهداف إيرانية، وقد أُمطِرَت بعدد هائل من المسيّرات الإنتحارية والصواريخ بأضعاف ما طاول الدولة العبرية حتى اليوم. وكل ذلك يجري في مرحلة كان فيها لبنان يراهن على هبات هذه الدول ومساعداتها لدعم الجيش والقوى الأمنية، وإعادة إعمار ما هدّمته حروب «الإسناد والإلهاء» و»أولي البأس» في الجنوب والبقاع وبيروت والضاحية الجنوبية ومناطق مختلفة من لبنان. عدا عن السعي المستميت إلى استدراج استثماراتها المرغوب بها في القطاعات الحيوية في النفط والمرافئ البحرية والكهرباء والطرق، بعد مرحلة من القطيعة والعقوبات التي تسبّبت بها أعمال تهريب الرمان والليمون والشاي المخدّر، ومساهمتها في تجهيز هذه المرافئ بـ«السكانر» لضبط هذه العمليات ووضع حدّ لها، بعدما باتت المهمّة أسهل من قبل، لمجرّد سقوط النظام السوري السابق وتدمير مصانع المخدّرات التي كانت تنتشر على الأراضي السورية واللبنانية.

 

 

 

وإلى هذه الملاحظات التي لا نقاش فيها، يتطلّع المراقبون بكثير من القلق إلى ما يمكن أن تنتهي إليه هذه المواجهة الإقليمية والدولية التي شملت دول الشرق الأوسط والخليج، والتي لا يتحمّل لبنان تبعات أبسط تردُّداتها، قبل أن تنتهي إلى أي تفاهم أو اتفاق لوقف النار. وبمعزل عن أي ملاحظة أو تعليق، فإنّ ما هو مستبعد، أن يعلن الحزب عن أي خطوة أو موقف يمكن أن يُترجم «فعل الندامة» أو تكرار التجارب السابقة، ولا سيما تلك التي عُرِفَت بـ«لو كنتُ أعلم». فمثل هذه الخطوات ما زالت أحلاماً، في ظل اللهيب الواسع الذي تقرّر عمداً بأن يشمل دول الشرق الأوسط والخليج العربي، قبل أن تتوسع، كما هو مرتقب، إلى أراضي دول الجوار الإيراني وتركيا التي تقع مع قبرص على أطراف القارة الأوروبية.