Beirut weather 24.1 ° C
تاريخ النشر May 30, 2026
A A A
هل لبنان وطن مؤقت لأبنائه؟

كتبت حسناء سعادة:

في كل أزمة تهز لبنان، تعود إلى السطح عبارات موجعة، كأن هذا الوطن لم يُكتب له أن يكون نهائياً لأبنائه، بل محطة انتظار أو فندقاً مؤقتاً للطوائف.

فجأة يصبح اللبناني مشروع انتقال والطائفة مشروع ترحيل والجغرافيا مجرد حقيبة سفر.

“المسيحيون إلى كندا”، “السنة إلى سوريا”، “الشيعة إلى العراق”… عبارات تتردد كلما اشتدت الحروب واشتعلت الانقسامات، وكأن اللبنانيين شعوب مستعارة، لا أصحاب أرض، وكأن الوطن لا يتسع للجميع إلا في مواسم الخطابات، ثم يضيق بهم عند أول أزمة.

في زمن حرب السنتين، لم تكن فكرة تهجير المسيحيين هواجس فقط، يومها، كانت البواخر جاهزة، وكانت مشاريع اقتلاع الناس من أرضهم تطبخ تحت عنوان: “الحماية والخوف والنجاة”. لكن إرادة البقاء انتصرت، وسقط مشروع الترحيل أمام تمسك الناس بأرضهم ورفض تحويل لبنان إلى جزر بشرية موزعة على القارات.

يومها، وقف كثيرون في وجه الفكرة، ومن بينهم الرئيس الراحل سليمان فرنجيه الذي لعب دوراً اساسياً في رفض منطق اقتلاع المسيحيين من وطنهم وتحويلهم إلى لاجئين سياسيين أو ضيوف دائمين على بلدان أخرى.

بعدها، وفي مراحل مختلفة، ظهرت محاولات لعزل مكوّنات أخرى، أو التعامل مع طائفة وكأنها عبء أو فائض ديموغرافي أو سياسي يمكن الاستغناء عنه.

واليوم، ومع اشتداد الأزمات والحروب، تتردد دعوات وعبارات لأبواق تتحدث عن ابعاد شيعة الجنوب إلى العراق، وكأن أهل الجنوب ليسوا أصحاب تراب وارض وذاكرة وبيوت وشهداء، بل مجرد سكان مؤقتين يمكن إعادة توزيعهم وفق خرائط المصالح الدولية.

السؤال البديهي هنا: هل وافق المسيحيون يوماً على الرحيل؟ هل قبلوا أن تصبح كندا وطنا بديلاً عن جذورهم وقراهم وكنائسهم؟ بالتأكيد لا، بل تمسكوا بأرضهم رغم الخوف والحصار والقتل والهجرة.

فلماذا يصبح مقبولاً اليوم أن يطرح على الشيعة ما رفضه المسيحيون بالأمس؟ ومن أعطى أحداً الحق في اقتراح تهجير جماعة من وطنها، تحت أي ذريعة كانت؟

الخطر الحقيقي ليس فقط في الفكرة، بل في اعتياد سماعها. حين يصبح الحديث عن اقتلاع الناس أمراً عادياً، نكون قد بدأنا فعلياً بتفكيك معنى الوطن. لأن الوطن الذي يوزَّع أبناؤه على السفارات ليس وطناً نهائياً، بل مساحة نزاع مؤجلة.

لبنان الذي دفع أثماناً باهظة كي يبقى واحداً موحداً، لا يحتمل ترف تكرار الأخطاء نفسها. فلا المسيحي إلى كندا لأنّه خاف، ولا السني إلى سوريا أو الخليج لأن السياسة تبدلت، ولا الشيعي إلى العراق لأن الحرب عليه اشتدت. اللبناني يبقى في لبنان، لأنه ليس طارئاً على أرضه.

المؤلم أننا غالباً ما نسمح للدول أن تلعب بنا، ثم نشارك نحن في اللعبة نفسها، فنعبث بمصير وطننا بأيدينا.

الخارج يبحث عن مصالحه، أما نحن فمطلوب منا أن نحمي فكرة لبنان نفسها أن يكون وطناً نهائياً لجميع أبنائه، لا وطناً مؤقتاً ينتظر كل حين طائرة أو باخرة أو حرباً جديدة.

ربما لم يعلمنا التاريخ ما يكفي، لكن التاريخ نفسه يصرخ في وجوهنا “كل مشروع ترحيل يبدأ بحجة، وينتهي بخسارة وطن”.