Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر August 6, 2026
A A A
هل «تقلب» واشنطن الطاولة على طرفيها؟ تنفيذ “صيغة الإطار” سلّة واحدة!
الكاتب: جورج شاهين

كتب جورج شاهين في الجمهورية 

 

أوحت الجولة الأولى من «طاولة روما 2» بوجود مؤشرات إلى «مبادرة» أميركية جديدة قد تغيّر في مجرى المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، إلى درجة يمكن أن تُحدث «انقلاباً» على طرفيها. وهو ما عبّر عنه بيان وزارة خارجيتها بكلمات قليلة، في عقب أولى جولات الجلسة السابعة من «مسار واشنطن». بقولها إنّ المناقشات الجارية تهدف إلى «الدفع نحو التنفيذ الكامل لصيغة الإطار». وهو ما يستحق التوقف عنده في ظلّ بعض التوقعات المسبقة والمؤشرات الإيجابية، وهذه عينة منها. العربوشعوب الشرق الأوسط

 

توافقت التقارير الديبلوماسية التي وردت إلى عدد من المسؤولين قبيل انطلاق «طاولة روما 2» أول أمس، وبعد انطلاقتها، على الإيحاء بأجواء إيجابية بدأت تظلل المفاوضات الجارية في روما، بطريقة يمكن أن تقود إلى تقدّم مفاجئ على أكثر من مستوى أمني وسياسي وجغرافي ـ حدودي، بعدما أصرّ الفريق الأميركي الذي يشرف على إدارة المفاوضات، سواء من باب اعتباره لاعباً دور «الراعي»، او «المسهّل» على وضع الملفات المطروحة على طاولة واشنطن لمناقشتها «دفعة واحدة»، بحيث يمكن التوقع بإمكان تنفيذ ما قالت به بنود «صيغة الإطار» في إطار «سلّة واحدة»، مع احتمال التوصل إلى تفاهم كبير يحقق لأطرافها الثلاثة ما أرادوه منه في «صفقة واحدة»، توزع المكاسب على الجميع من دون «الغرق» في هذا البند او ذاك.

 

 

 

على هذه الخلفيات، نصحت المراجع التي تلقّت مضمون هذه التقارير المتداولة على نطاق ضيّق، بالصبر والتريث، إلى أن تظهر نتائج هذه الجولة السابعة، بعيداً من تأثير التسريبات السلبية التي تتحدث عن مفاوضات «عقيمة» وغير «منتجة»، مرفقة بمجموعة من السيناريوهات «الوهمية». ذلك أنّ بعضاً مما تمّ التداول به في الأيام الأخيرة يحمل ما يكفي من التضليل، تحقيقاً لأكثر من هدف، وأخطرها السعي إلى تشويه صورة الوفد المفاوض والمسّ بمعنوياته ومناعته، لمجرد أن يحمل ملفاً متماسكاً معززاً بالوقائع الكافية التي لا نقاش فيها، على كل المستويات العسكرية والأمنية والسياسية والتقنية، مع نفي التسريبات التي تتحدث عن «ملحق أمني سرّي» لا وجود له على الإطلاق، وقد تمّت فبركته «استثنائياً» بـ«عناية فائقة» كلما سجّلت المفاوضات تقدّماً في مكان ما.

 

 

 

لم تكن هذه التوقعات مجرد نظريات يمكن التسويق لها بلا ما تستند عليه من معطيات مقنعة، بدأت تطل من البوابة الأميركية المسهّلة والراعية للمفاوضات. وهو ما أكّده توقيت ومضمون بيان وزارة الخارجية الأميركية، عقب اليوم الأول من المفاوضات، الذي حمل إشارات واضحة ومتجانسة في اتجاه ما يعوق أعمال الوفدين في الداخل اللبناني كما الإسرائيلي في آن. ففي مقابل إشارة المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت، بأنّ المحادثات ستستمر إلى الغد، كرّر القول إنّ بلاده «ملتزمة التزاماً كاملاً بدعم الحكومتين في المضي قدماً بهذه العملية، بما يحقق أمناً دائماً للبلدين». وشدّد على معادلة مهمّة تقول بـ«القضاء على التهديدات الأمنية لإسرائيل» في مقابل «إعادة سلطة الدولة اللبنانية على كل أنحاء الجنوب». كما انتهى – وخلافاً لأي معلومة، بما فيها دعوة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى التريث في مناقشة هذا الامر، أنّ البحث تناول «المناطق التجريبية» و«نزع سلاح حزب الله» بالتزامن مع «إعادة الانتشار الإسرائيلي في الجنوب»، تمهيداً للبحث في مسألة الأسرى وتثبيت الحدود، ليعزز الاقتناع بوجود استراتيجية أميركية جديدة، أعادت التوازن في مواقفها من طروحات الوفدين بطريقة لم تكن واضحة وحادة من قبل. العربوشعوب الشرق الأوسط

 

 

 

ولما أكّد بيان الخارجية، أنّ المناقشات التي جمعت فرقاً تقنية من حكومتَي البلدين، كانت تهدف إلى «الدفع نحو التنفيذ الكامل لصيغة الإطار». يكون قد أسقط كل السيناريوهات التي يروّج لها بعض المسؤولين الإسرائيليين الغارقين في آتون المزايدات على «ابواب الانتخابات العامة المقبلة» في إسرائيل، كما بالنسبة إلى اللبنانيين المشككين بجدوى المفاوضات من أساسها، مخافة إسقاط الحجج التي تبرّر الاحتفاظ بـ«السلاح غير الشرعي». وإنّ أي خطوة تنهي الاحتلال او تبرمج «إعادة انتشاره» عبر «مناطق تجريبية» أخرى او من دونها، إن تحققت «الصفقة الكبرى»، التي ستدفع بهم إلى الإقرار بانتهاء أدواره الداخلية بعد الإقليمية نهائياً. وإنّه لم يعد سوى مصدر للتمادي في العدوان الإسرائيلي، بعدما لم تعد هناك أي مبادرة تدعو إلى الاحتفاظ به، من ضمن أو من خارج «مسار إسلام آباد» المتعثر. وما زاد في الطين بلّة، أنّ المفاوضات المتقدّمة المستجدة بين طهران وواشنطن في أكثر من عاصمة وسيطة وصديقة بينهما، قد أسقطت من بنود أي تفاهم مقبل أي بند أو ورقة او مطلب يتصل بالوضع في جنوب لبنان او في قطاع غزة، وربما في اليمن، بعد المتغيّرات التي طرأت على أولويات الحوثيين الذين حدّدوا عدواً جديداً لهم في المملكة العربية السعودية بدلاً من إسرائيل.

 

 

 

وفي خلاصة هذه القراءات وما يمكن أن تقود إليه، لم يعد منطقياً التشكيك بإمكان أن تصل «طاولة روما الثانية» إلى خطوات عملية ولو محدودة، فالعقبات كبيرة. ذلك انّ ما بات واضحاً انّ هناك بوادر «انقلاب» أميركي، عبّرت عنه النية بتوسيع المفاوضات، بحيث أنّ أي اتفاق نهائي قد يخفف من حدّة المواقف المرتبطة بخطوة صغيرة من هنا او من هناك، سواء كانت أمنية او جغرافية او تقنية. وإن ضَمَنت إسرائيل أمن حدودها الشمالية، فليس لها أن تتمسك بـ«المناطق الأمنية» في الجنوب، وإن ضَمَن «الثنائي الشيعي» ومن معه من برنامج «الانسحاب الكامل» من آخر شبر من لبنان، سواء كان عن طريق «إعادة الانتشار» حتى الحدود الدولية، او أي صيغة أخرى، فهي تؤمّن المعنى عينه، لن تكون هناك أي حجة للتمسك بسلاح ما لم تكن أهدافه قد ارتدت إلى الداخل. وهو أمر عقيم لم يعد يُقلق او يخيف أحداً. فليس هناك أي مؤشر يقود إلى «فتنة داخلية»، وإنّ أي تغييرات في آلية الحكم والتلاعب بالتوازنات الداخلية الهشة، كما كرّسها الدستور الجديد بعد «اتفاق الطائف» لن تكون مطروحة، وإنّ سقوط المحاولات السابقة خير دليل إلى أنّها من سابع المستحيلات، لمن يحلم بها حتى اليوم.