Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر January 8, 2026
A A A
هل بدأ التقاسم التركي الإسرائيلي لسورية؟
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”

– لافت للانتباه هذا التزامن والتسارع بين مسارين بدا لوقت غير قصير منذ سقوط النظام السابق في سورية، أن معالجتهما تتم بروية وهدوء، وأن تعقيدات كل منهما تجعل الآخر معقداً، مسار ترصيد المكاسب الإسرائيلية في سورية، ومسار المصالح العليا التركية في سورية، وخلال أكثر من سنة ظهرت التسوية بين المسارين صعبة إلى حد الاستحالة، من اللحظة التي أظهرت فيها “إسرائيل” أنها لا تعتبر أن ما جرى في سورية هو إنجاز صنعته تركيا وتستحق التقدير عليه، وقررت أنه لا يكفيها إسقاط نظام كان يلعب دوراً فاعلاً في محور المقاومة ويستضيف قوات إيرانية وقواعد ومستودعات لحزب الله ويقدّم ممراً استراتيجياً لسلاح المقاومة اللبنانية، وتجاهر بأنها صاحب الفضل الأول في سقوط النظام، ولذلك فهي صاحبة الحق الأول في رسم مستقبل سورية. ومن هذا الموقع لها أن تقتطع من سيادة وقرار وجغرافية ونسيج سورية ما يحقق صالحها وتترك بعد ذلك الباقي للآخرين، ومنهم تركيا.

– كانت تركيا تنطلق من كونها خانت حليفيها الروسي والإيراني، واقتنصت لحظة انشغال روسيا بحرب أوكرانيا، وانشغال إيران وحزب الله بحرب ما بعد طوفان الأقصى، بالرغم من إظهار تعاطفها مع ما يفعلان في هذه الحرب، وجهزت للحظة تقاطع مع أميركا و”إسرائيل” وفتحت باب الشراكة لحكومات خليجية طلباً لتمويلهم ووضعت خرائط وخطط إسقاط النظام في سورية، حيث قامت بتأمين القوة اللازمة للاندفاعة العسكرية بما في ذلك ما لديها من قدرات استخبارية، وطلبت وضع المثل مما لدى الشركاء لضمان عملية خاطفة سريعة ما أمكن، خصوصاً بعدما بدأت العملية وظهرت الخواصر الرخوة للجبهة المقابلة، ولذلك تعتبر تركيا أن “إسرائيل” نالت كل ما كانت تحلم بتحقيقه في سورية طوال سنوات، فأخرجت إيران وأخرج حزب الله وقطع طريق الإمداد وأسقط النظام وتركت “إسرائيل” تدمّر مقدراته، وولد نظام في كنف تركيا مستعدّ لوضع أوراقه عند أميركا والتموضع مع محيط عربي كان يتذمّر من مكانة سورية وتميزها، ومنح “إسرائيل” الاطمئنان الذي تريد لجهة أمنها من الحدود مع سورية.

– بالتوازي كان التعثر الإسرائيلي في تحقيق الحلقة الحاسمة من النصر على جبهات الحرب التي شنتها على لبنان وغزة واليمن وإيران، دافعاً كبيراً لتوسيع دائرة الاهتمام الإسرائيلي بجعل سورية ساحة تعويض لتحقيق نصر بائن، وكانت مكانة جبل الشيخ الاستراتيجية بعيون العسكريين الإسرائيليين عنصر إغراء ومعها المياه والجغرافيا في جنوب سورية، وصولاً للتفكير بالأجواء السورية كممر آمن نحو إيران في أي مشروع حرب، وصار التذكير بمشروع “إسرائيل” الكبرى اختصاراً لكل هذه التطلعات، بينما بالمقابل كانت تركيا وقد فعلت ما فعلت بكل من حليفيها الروسي والإيراني تحتاج إلى انتصار بائن يحققه مشروعها الإقليمي الذي لا يستقيم دون سورية، حيث تآكل نفوذها الطازج في سورية سوف يبدّد ما تعتقد أنها راكمته من أرصدة في ساحات أخرى مثل ليبيا والسودان وأذربيجان، وكان استحضار العثمانية الجديدة يصبح مرادفاً للنجاح التركي في سورية.

– خلال شهور كان يبدو أن التسوية بين المشروعين تبتعد، ومرّت محطات عديدة من التجاذب المتوتر بين الطرفين، كانت عملية تشكيل القوة الدولية في غزة آخرها، مع إصرار تركيا على المشاركة وفيتو إسرائيلي على هذه المشاركة، وكانت الغارات الإسرائيلية على مواقع عسكرية أنشأتها تركيا على الأراضي السورية، بينما الإصرار الإسرائيلي على منع إقامة شبكات دفاع جوي في سورية والسيطرة على أجواء سورية، استهداف للأمن القومي التركي، وبعدما اعتقدت تركيا أنها سوف تتمكّن بعد إسقاط النظام في دمشق من حسم مصير الإقليم الذي تسيطر عليه قوات كردية مسلحة مدعومة من واشنطن هي قوات قسد، ظهر الاستعداد الإسرائيلي لمنع دمشق من خوض حرب على قسد، من خلال ما حملته إنذارات إسرائيلية لحكومة دمشق من دخول محافظة السويداء وصولاً إلى قصف مقر وزارة الدفاع السورية والمقر الرئاسي السوري في دمشق والاستعداد لفعل الشيء نفسه إذا اندلعت حرب الشمال، ولم تنجح تركيا بالحصول على مبادرة أميركية لتسوية مطمئنة رغم التأكيدات الأميركية الدائمة على مراعاة المصالح التركية وأخذ المفهوم التركي للأمن القومي بعين الاعتبار، حتى جاء انضمام حكومة دمشق إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش محاولة تركية لتعويض واشنطن ما تقدّمه قسد أملاً بالحصول على فرصة حسم حرب الشمال، وكانت بيد تركيا ورقة التأثير على مسار التفاوض السوري الإسرائيلي لدفع أميركا و”إسرائيل” لتغيير الحسابات.

– خلال الأيام والساعات الأخيرة تحدث متغيرات متسارعة في ملف التفاوض السوري الإسرائيلي وفي مسار الحرب على قسد، فهل نجحت واشنطن بإتمام صفقة بين تل أبيب وانقرة، وهل انتهى الأمر بتقاسم الجغرافيا السورية بين نفوذ تركي في الشمال ونفوذ إسرائيلي في الجنوب، وماذا عن ملف النفط والغاز وصراع مشاريع الأنابيب، ماذا عن الأجواء السورية وكيفية إدارتها، وما سر التسارع في الصفقة، فهل وقع حدث أمني كبير فرض هذه العجلة، أم أن الصفقة الكبرى تمّت وتم تقاسم سورية وارتضى كل طرف بالنصف؟ نصف انتصار ونصف مشروع وخاسر وحيد هو سورية؟