Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر January 22, 2026
A A A
هل أضاع لبنان فرصة دافوس..؟
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

يُعدُّ المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس منصة نادرة للدول النامية لعرض رؤاها التنموية، وبناء شبكات تواصل مباشرة مع صُنَّاع القرار الاقتصادي والمالي في العالم، وطلب الدعم المالي والتقني اللازم لتجاوز تحديات الفقر وضعف النمو.

 

غير أن قيمة هذه الفرصة لا تُقاس بحجم الحضور الرسمي، ولا بعدد اللقاءات الثنائية، بل بمدى جهوزية الدولة المعنية لتقديم نفسها كشريك موثوق وقابل للاستثمار. من هذا المنظور، يبرز الانطباع بأن لبنان، مرة جديدة، لم يتمكن من تحويل مشاركته في دافوس إلى اختراق فعلي، رغم وجود رئيس الحكومة ووزيري المال والاقتصاد، وكثافة الاتصالات التي أجريت مع مستثمرين ومؤسسات مالية دولية.

المشكلة لا تكمن في الخطاب ولا في الترويج النظري لفرص الاستثمار في “وطن الأرز”، بل في الفجوة الواسعة بين الأمنيات والوعود السياسية والواقع التشريعي والمؤسساتي. فالمستثمرون، ولا سيما الكبار منهم، لا يكتفون بإبداء الاهتمام أو الاستماع إلى عروض عامة، بل يبحثون عن بيئة قانونية مستقرة، ونظام قضائي مستقل، وقواعد مالية واضحة تضمن حماية أموالهم واستثماراتهم على المدى المتوسط والطويل.

 

في هذا السياق، يشكل غياب قانون استقلال القضاء أحد أبرز العوائق البنيوية، إذ لا يمكن إقناع أي جهة دولية بضخ أموال في اقتصاد لا يملك ضمانة فعلية لفض النزاعات بعيداً عن الضغوط السياسية.

إلى جانب ذلك، ما زال لبنان عاجزاً عن استكمال الإطار التشريعي لمعالجة الانهيار النقدي والمصرفي. فالتأخير في إقرار القوانين المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحديد الخسائر، وطوي صفحة الفجوة المالية، يبعث برسالة سلبية مفادها أن الدولة لم تحسم خياراتها بعد، وأنها تفتقر إلى رؤية متكاملة لاستعادة الثقة بالنظام المالي. هذه الثقة هي الشرط الأول لأي استثمار خارجي، وهي المدخل الإلزامي لعودة الرساميل العربية والدولية.

 

أما على مستوى العلاقات مع المؤسسات الدولية، فإن عدم توقيع اتفاق نهائي وفعلي مع صندوق النقد الدولي يبقى مؤشراً بالغ الدلالة. فالصندوق لا يمثل فقط مصدراً محتملاً للتمويل، بل يشكل ممراً إلزامياً لفتح أبواب المساعدات والقروض الميسَّرة من الدول المانحة والمؤسسات الدولية. وكلما طال أمد المراوحة في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، تراجعت صدقية لبنان، وتبددت فرص الاستفادة من أي منصة دولية، مهما بلغ مستواها.

من هنا، تبدو مشاركة لبنان في دافوس، رغم أهميتها الرسمية، ناقصة المفعول. فقبل دعوة المستثمرين إلى القدوم، يحتاج لبنان إلى إنجاز واجباته الإصلاحية الداخلية، بإيقاع وخطى أسرع من الواقع المتباطئ الحالي.

وحدها دولة قادرة على إقناع نفسها بإصلاح مؤسساتها، تستطيع إقناع العالم بالاستثمار في مستقبلها.