Beirut weather 22.41 ° C
تاريخ النشر December 13, 2019
A A A
هل أسقط باسيل التسوية من طرف واحد؟
الكاتب: النهار

 

للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات وشهرين تقريباً وضعت التسوية الرئاسية السياسية التي شكلت الحاضنة الرئيسية لانتخاب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أمام تجربة حاسمة نهائية من شأنها أن تقرّر مصير الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس الحكومة الجديدة، علماً أن نقطة الحسم الأساسية تتصل بتكليف الرئيس سعد الحريري ومواقف الأفرقاء السياسيين منه. ولعل المفارقة الكبيرة التي بدأت ترتسم قبل الموعد المحدد للاستشارات الاثنين المقبل تمثلت في تطوّر سياسي “غرائبي” لم تتضح بعد كل ملابساته من خلال إعلان رئيس “التيار الوطني الحر” وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل قرار “تكتل لبنان القوي” عدم التمثّل في الحكومة العتيدة، متهماً للمرة الاولى علناً الرئيس سعد الحريري باتباع سياسة “أنا أو لا احد ” ولافتاً للمرة الأولى أيضاً الى اختلاف في الموقف بينه وبين الثنائي الشيعي “أمل” و”حزب الله” من الحكومة المقبلة.
موقف باسيل أقام “نظرياً” على الأقل وفي انتظار اتضاح ردود فعل القوى المعنية عليه، معادلة سياسية جديدة وغير قابلة “للهضم “السريع وهي معادلة خروج التيار السياسي والحزبي لرئيس الجمهورية من الحكومة، فيما مؤسّس التيار هو رئيس الجمهورية نفسه. فكيف تستقيم “المناوأة البناءة” كما أوحى بها باسيل مع هذه المعادلة المتسمة بازدواجية يصعب التسليم بمعاييرها اذا سلكت طريقها الى التنفيذ؟ وهل تتبع سياسة خاصة برئيس الجمهورية اذا حصل توافق جديد بينه وبين الرئيس الحريري والأفرقاء الآخرين على تركيبة الحكومة ويعمد التيار “العوني” الى مناوأته؟
الواقع أن الساعات الثماني والأربعين المقبلة مرشّحة لأن تحمل أجوبة معيّنة عن تساؤلات كثيرة أثارها موقف باسيل بدءاً بمصير موعد الاستشارات الذي كان قصر بعبدا لا يزال متمسكاً به أمس ولم يوح بأي تغيير محتمل له، وصولاً الى مواقف الكتل النيابية من تكليف الرئيس الحريري وحجم هذا التكليف عددياً وتمثيلياً. وبينما لم يستبعد بعض الأفرقاء أن يتمنى الثنائي الشيعي على الرئيس عون إرجاء الاستشارات مجدداً لاستكمال الجهود المبذولة للتوصل الى مخرج للتكليف والتأليف يسمح بانطلاق الاستحقاق الحكومي نحو نهاية سريعة تحول دون أخطار الانهيار المالي والاقتصادي، تتجّه الانظار بعد ظهر اليوم الى الكلمة التي سيلقيها الأمين العام ل”حزب الله” السيد حسن نصرالله والتي ينتظر أن يتناول فيها التطورات الداخلية وفي مقدمها الملف الحكومي.
وإذا كان بعض الأوساط أبدى مخاوف من أن يكون باسيل فجّر علاقته وتالياً علاقة رئيس الجمهورية بالحريري لقطع الطريق على تكليفه مجدداً بدا لافتاً تريّث معظم الأفرقاء في الادلاء بردود فعلهم على موقف باسيل والتكتل النيابي، الذي يرأسه في انتظار بلورة موقف واضح لرئيس الجمهورية من هذا التطور. لكن باسيل اعترف علناً للمرة الأولى بفشل اتفاق 2016 بين التيار والحريري ” بتأمين أبسط حقوق الناس مثل البنى التحتية وأمور كثيرة، وهذا الفشل يدفع ثمنه الشعب اللبناني والعهد والقوى السياسية وضمنها نحن”.
في غضون ذلك برز تطوّر لافت في التحركات التي يقوم بها الرئيس الحريري لمواجهة الأخطار المالية التي تحدق بالبلاد، اذ أجرى أمس اتصالين هاتفيين بكل من رئيس البنك الدولي ديفيد مالباس والمديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي كريستينا جيورجيفا، وعرض معهما المصاعب الاقتصادية والنقدية التي يواجهها لبنان.
وأكد الحريري لكل من مالباس وجيورجيفا “التزامه اعداد خطة انقاذية عاجلة لمعالجة الأزمة، في انتظار تشكيل حكومة جديدة قادرة على تطبيقها، وبحث معهما في المساعدة التقنية التي يمكن كلا من البنك وصندوق النقد الدوليين تقديمها في اطار اعداد هذه الخطة”.
كما بحث الحريري مع رئيس البنك الدولي في “امكان ان تزيد شركة التمويل الدولية التابعة للبنك مساهمتها في تمويل التجارة الدولية للبنان في اطار الجهود التي يبذلها الرئيس الحريري لتفادي اي انقطاع في الحاجات الأساسية المستوردة بفعل الأزمة.
وأدت خطوة الحريري الى ارتفاع سندات لبنان السيادية المقومة بالدولار. وأفادت “ماركت أكسس” أن السندات إصدار 2020 صعدت مقدار 2.5 سنتين إلى 88.02 سنتاً في الدولار، وأظهرت بيانات “تريدويب” أن السندات المستحقة في 2037 زادت أكثر من سنتين ليجري تداولها عند 47.45 سنتاً.
على صعيد آخر، سجلت تطورات سلبية جديدة على صعيد التصنيفات الدولية المالية للبنان اذ اصدرت وكالة “فيتش” للتصنيف الائتماني تصنيفاً سلبياً ثالثاً هذه السنة للبنان اذ خفّض تصنيف لبنان السيادي من CCC الى CC نتيجة المخاطر الائتمانية التي يواجهها واستمرار الازمة السياسية دون افق واضح لسلوك الامور طريق التصحيح المالي والاقتصادي والسياسي المطلوب. وربطت “فيتش” في تقريرها الاحتمال المرتفع لإعادة هيكلة الدين اللبناني وصولاً الى تعثر محتمل في تسديد المستحقات في وقتها، بعدم الاستقرار السياسي والازمة التي نشبت في البلاد. أما على صعيد مصرف لبنان، قتوفعت الوكالة تراجع الاحتياطات الاجنبية لديه الى ما يقارب 28 مليار دولار بحلول نهاية 2019 بعد تراجعها بما قيمته أربعة مليارات دولار خلال السنة الجارية، ليستمر هذا التراجع خلال 2020، فيما تواجه الدولة اللبنانية إستحقاقات بالعملة الاجنبية “اوروبوندز” بقيمة 2.5 ملياري دولار في آذار المقبل.