Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر March 10, 2026
A A A
هرمز يقرر مصير الحرب
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في “البناء”:

منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على ايران كان السؤال عن سبب استخفاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالعقدة التي كان يعتبرها أسلافه من الرؤساء مستعصية في طريق قرار الحرب، الذي أتيح لهم في ظروف كانت إيران أضعف بكثير ومنعهم عن ذلك القلق ما ينجم عن إغلاق مضيق هرمز، ووضعت خطط كثيرة للاستغناء عن عبور النفط من هرمز من خط نابوكو من كازاخستان إلى تركيا ثم الرهان على خط قطري تركي إلى أوروبا عبر سورية، قيل إن رفض الرئيس السوري السابق له كان أحد أسباب الحرب عليه، ثم الرهان على نفط وغاز شرق المتوسط، لكن الرئيس ترامب كان واثقاً من قدرته على حسم الحرب قبل أن يستفيق هرمز، والخطة هي قطع الرؤوس واغتيال المرشد الأعلى واغتيال عشرات القادة، فيتفكك النظام ثم يخرج الشعب ليسقط النظام، خلال أيام، لكن هذا التخيّل السحريّ لم يحدث وحدث العكس، تماسك النظام وتمسك الشعب بالنظام وبدأ جرح هرمز يلتهب.

استفاق العالم في اليوم العاشر للحرب، الاثنين في 9 آذار 2026 وبرميل نفط برنت يسجل سعر 119.5 دولارًا للبرميل في ذروة التداول، مع قفزة يومية كبيرة وعودة الأسعار إلى مستويات لم تُسجَّل منذ 2022، قبل أن تشهد بعض التذبذب لاحقًا. هذا يعني أن السوق انتقل من تسعير “مخاطر سياسية” إلى تسعير “نقص إمداد محتمل أو قائم”، ما وضع العالم على فوهة بركان نفطي سريع الانفجار، فهل يحدث ذلك، وما هي عناصر صناعة المشهد النفطي في العلم وكيف تشتغل؟

وفقاً لتقارير وكالة الطاقة الدولية يتشكل السوق النفطي في العالم من 108 ملايين برميل يوميًا في تقديرات شباط، لكن ما يهم في صدمة هرمز هو الجزء البحريّ المتداول، “سوق التسعير” أصغر كثيرًا من الاستهلاك الكلي، وأن أي نقص في الممرات البحرية يضرب السوق المؤثرة في السعر لا الاقتصاد النفطي كله دفعة واحدة. ومن أصل 108 ملايين برميل يعبر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات، أي حوالي 25% من كميات النفط المنتجة للاستهلاك عالميًا، وتقدّر وكالة الطاقة الدولية القدرة البديلة خارج هرمز عبر السعوديّة من خلال البحر الأحمر والإمارات من خلال بحر عمان بنحو 3.5 إلى 5.5 ملايين برميل يوميًا فقط. المعنى المباشر: إذا تعطّل هرمز تعطل معه جزء لا يمكن تعويضه سريعًا، لأن البدائل لا تغطي سوى جزء محدود من التدفقات. لكن الأهم من كون الكتلة الفائتة عن السوق بإقفال هرمز 15 مليون برميل، هو أن السوق إذا تمّ حساب الكميات التي تشتريها الدول التي تستورد أغلب حاجاتها النفطية، سوف نجد أن الـ 15 مليون برميل هي ثلث ما يجري تداوله تجارياً، حيث جزء كبير من النفط يُنتج ويُستهلك داخل الدولة نفسها ولا يعبر الحدود، مثل جزء كبير من إنتاج الولايات المتحدة وروسيا والصين. لذلك فإن النفط الذي يدخل فعلياً في التداول التجاري الدولي أقل بكثير من الإنتاج الكلي، ويقدَّر بحوالي 45 إلى 50 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات. هذا هو الحجم الذي تتحرك فيه الأسعار العالمية.

الأكثر انكشافًا في السوق واعتماداً على الاستيراد هي آسيا خصوصاً الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، لأن الجزء الأكبر من نفط الخليج المتجه إلى السوق يذهب شرقًا، ولأن الدول الآسيوية المستوردة هي الأكثر اعتمادًا على الخام الخليجي والغاز القطري. أوروبا تتأثر أيضًا، لكن انكشافها في النفط أقلّ من آسيا بسبب تنوّع مصادرها، بينما يظهر تأثرها بقوة في الغاز وأسعار الصناعة. أما الولايات المتحدة فتتأثر عبر السعر والتضخم والأسواق أكثر من تأثرها كـ“مستورد خليجي صافٍ”. وهذا ما يفسر لماذا بدت الصين وأميركا معًا في قلب القلق العالمي: الصين لأن أمن الطاقة يضغط على نموها الصناعي، وأميركا لأن النفط المرتفع يضغط على التضخم والأسهم والسياسة الداخلية.

السؤال هو ماذا يحدث مع نقص كميات تعادل ثلث التداول التجاري، والجواب هو أن البيع المؤجل ينتظر أفضل الأسعار فتتم عملية التسابق على حجز الكميات بعرض أسعار أفضل، وهكذا يتحرك سلم التسعير بجنون، وعند عتبة معينة من السعر لا تستطيع الصناعات الأكثر اعتماداً على الطاقة مواصلة الشراء وتبدأ بالخروج من السوق، ويقفل أغلبها ويعلن الإفلاس كثير منها، لكن عندما يخرج من السوق ما يقارب الكمية التي توقفت عن التداول يبدأ السعر بالاتجاه إلى الهدوء ويحل انكماش اقتصادي خطير، لكن بعد إعصار يأخذ في طريقه صناعات وبعدها صناعات تعتمد عليها مثل صناعة السيارات وعلاقتها بصناعة الصلب والحديد والألمنيوم، أما القطاعات الأكثر تعرّضًا فهي تلك التي تدخل الطاقة في تكوين سعرها بنسبة مرتفعة، ولا سيما عندما تتجاوز نحو 20% من كلفة الإنتاج وعلى رأسها: البتروكيماويات، الأسمدة، الألمنيوم، الصلب، الإسمنت، الزجاج، الورق، الشحن البحري، والطيران.

أبرز الشركات العالمية في هذه القطاعات مثل BASF وDow وLyondellBasell في الكيماويات، وArcelorMittal وNippon Steel وU.S. Steel في الصلب، وAlcoa وRusal في الألمنيوم، وMaersk وMSC في الشحن، وAmerican Airlines وUnited وLufthansa في الطيران، تمثل نماذج مباشرة لقطاعات تصبح فيها الطاقة عاملاً حاسمًا في الربحيّة. وهي تغطي مبيعات مجمعة بنحو 723 مليار دولار سنويًا وتوظف قرابة مليون عامل مباشرة، مع أثر غير مباشر أكبر بكثير عبر سلاسل التوريد، وأغلب هذه الشركات أميركية، لذلك فإن آلية الانهيار ليست “تباطؤًا هادئًا”، بل سلسلة عدوى. تبدأ بارتفاع النفط والغاز، ثم ترتفع كلفة النقل والتأمين والتمويل، فتخسر الصناعات كثيفة الطاقة هوامش ربحها وتبدأ الإغلاقات وخفض الإنتاج. بعدها تهبط أسعار أسهم الشركات المعرضة، وتحاول الإدارات الدفاع عن أسعار الأسهم عبر السيولة أو إعادة شراء الأسهم أو تسييل الأصول، ثم ينتقل الخلل إلى الديون والضمانات، فتظهر الخسائر في المصارف المقرضة وشركات التمويل وتجارة السلع. عند هذه النقطة لا يصبح “تدمير الطلب” مجرد خفض استهلاك، بل إفلاسات وإغلاقات فعلية. وهو ما حذرت منه تغطيات مالية حديثة ربطت بين قفزة النفط والضغط على الأسهم والسندات والعملات والتضخم في أكثر من سوق.

العدوى لا تبدأ من البنوك، لكنها قد تنتهي إليها. البنوك الأكثر عرضة هي تلك المرتبطة بتمويل الصناعة الثقيلة، تجارة الطاقة والسلع، النقل والشحن، وأسواق المشتقات. سياسيًا وماليًا، هذا يفسر حساسية وول ستريت ومراكز المال في نيويورك وواشنطن وشيكاغو، لأن ارتفاع النفط لا يضغط فقط على الشركات المنتجة والمستهلكة بل على الائتمان، الضمانات، تمويل التجارة، والتسعير المستقبلي. ولذلك ظهرت سريعًا دعوات لمناقشة السحب من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية على مستوى مجموعة السبع، وذُكرت دعوات من قيادة ديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي لطرح هذا الخيار، ما يعكس إدراكًا بأن انتقال الصدمة من الطاقة إلى المال بدأ فعلاً في حسابات القرار.

سياسيًا، الدول الأكثر معنيّة بالضغط لوقف النزف هي: الصين، الهند، اليابان، كوريا الجنوبية، دول الاتحاد الأوروبيّ، والولايات المتحدة. لكن الوزن السياسي الحاسم يبقى لأميركا، لا لأنها الأكثر اعتمادًا على نفط الخليج كمستورد صافٍ، بل لأنها ما تزال بيضة القبان في ثلاث دوائر معًا: القرار العسكري، النظام المالي، وسوق الدولار والاحتياطيات. فإذا تحركت أميركا باتجاه إطفاء الحرب ارتفع احتمال التهدئة، وإذا أبقت الحرب مفتوحة بقي العالم كله يدفع الثمن. في المقابل، الصين تملك دافعًا قويًا أيضًا لأنها أكبر مستورد نفطي وأكبر ورشة صناعيّة في العالم.

في أميركا القطاعات المهدّدة بالإفلاس تملك أصواتاً سياسية يجب أن نراقب متى تبدأ برفع صوتها لوقف الحرب لنعلم أن الأزمة بدأت تدخل مرحلة الخطر، وهذه الأصوات داخل الكونغرس تعود لمشرعين جمهوريين وديمقراطيين، وفي مجلس الشيوخ الأميركي الحالي، الأغلبية للجمهوريين 53 مقعدًا مقابل 45 للديمقراطيين و2 مستقلين، مثلاً في ولايات الطاقة يبرز جمهوريون مثل تيد كروز وجون كورنين عن تكساس، جون كينيدي وبيل كاسيدي عن لويزيانا، وشيلي مور كابيتو وجيم جستِس عن فرجينيا الغربية. في الولايات الصناعيّة والمالية والتكنولوجية تبرز أسماء مثل إليسا سلوتكن وغاري بيترز عن ميشيغان، ديف ماكورميك وجون فيترمان عن بنسلفانيا، تشاك شومر وكيرستن جيلبراند عن نيويورك، آدم شيف وأليكس باديّا عن كاليفورنيا، ماريا كانتويل وباتي موراي عن واشنطن، ومارك وارنر وتيم كين عن فرجينيا، إضافة إلى برني مورينو وجون هوستِد عن أوهايو. هذه الخريطة مهمة لأن ولايات الطاقة تميل مبدئيًا إلى خطاب الردع والقوة، بينما ولايات الصناعة والمال والتكنولوجيا تصبح أكثر حساسيّة عندما يرتفع النفط ويقترب الخطر من الوظائف والأسهم والتضخم.

هرمز يمسك العالم من عنقه ويضغط بقوة بكلتي اليدين فمتى نبدأ بسماع الصراخ؟