Beirut weather 26.32 ° C
تاريخ النشر May 11, 2026
A A A
هذا ما ورد في افتتاحية “البناء”
الكاتب: البناء

بين طهران وواشنطن أزمة أولويات وشروط، وقد كان الكشف عن عناوين بنود المقترحات الأميركية وأبرز خطوط الرد الإيراني فرصة للتعرّف على عناصر الأزمة؛ حيث وُضعت التفاهمات النووية حول التخصيب ومصير كميات اليورانيوم العالي التخصيب تحت سقف تعليق التخصيب لمدة قد تصل إلى 20 عاماً وترحيل اليورانيوم العالي التخصيب، بنوداً وعناوين ترد – ولو بصور مختلفة – تقترح إيران التفاوض حولها وتشترط واشنطن الحصول على تعهدات مسبقة واضحة بصددها. وبالتوازي، تقاطعٌ في عناوين المرحلة الأولى لجهة وقف كامل للأعمال الحربية وإنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية وفتح مضيق هرمز، لكن إيران تشترط أن يشمل وقف الحرب حروب المنطقة وخصوصاً لبنان، وأن يكون وقف الحرب نهائياً وليس مشروطاً بالتوصل إلى اتفاق كحصيلة للمفاوضات، وأن يترافق مع الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة أو أغلبها، وأن يكون فتح مضيق هرمز مشروطاً بتطبيق الإجراءات الإيرانية إلى حين الاتفاق على صيغة مستقبل المضيق عبر مفاوضات تلي وقف الحرب وتسبق مفاوضات الملف النووي.

الغضب الأميركي من الرد الإيراني وصل حد استعمال الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبارات قاسية، إذ قال لإيران: «لن تتلاعبوا بنا مجدداً ولن تضحكوا علينا مرة أخرى»، معتبراً إفراج الرئيس السابق باراك أوباما عن جزء من أصول إيران المجمدة عام 2015 بعد الاتفاق النووي تعبيراً عن نجاح إيران بالتلاعب بأميركا، وهو أمر لن يتم معه مجدداً.

ترجم ترامب غضبه فوراً عبر اتصال أجراه مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو كشريك في الحرب، للتشاور في الخيارات؛ والخيارات محدودة بين العودة للحرب أو العودة للتفاوض. والعودة للحرب خيار نتنياهو المعلن منذ توقف إطلاق النار، وهو يكرر وجود بنك أهداف جاهز ويتحدث عن انتظار الضوء الأميركي الأخضر من أجل العودة إلى إتمام المهمة. والعدو الأول لخيار الحرب هو سوق الطاقة وتداعياته على الاقتصاد العالمي من جهة، ومحدودية الرهان على الحرب بعد تجربة الأربعين يوماً – سواء لإسقاط النظام أو دفعه للاستسلام – وحجم الأضرار التي تسببها الحرب لدول الخليج، ومخاطر إغلاق مضيق باب المندب إضافة إلى مضيق هرمز، واحتمال أن تصدر عن إيران ردود قاسية على دول الخليج. وربما يكون خيار التفاوض بحاجة إلى حجة قوية مثل تدخل صيني روسي ربما يسعى ترامب للحصول عليه عبر زيارته القريبة إلى الصين.

لبنانياً، أعلن رئيس الحكومة نواف سلام – بعد سلسلة من الغارات التي استهدفت بيوت الآمنين جنوب نهر الليطاني وشماله، واستشهد بسببها عشرات من اللبنانيين خلال أسبوع التحضير للمفاوضات – أنه جاهز لاتفاق سلام مع «إسرائيل» إذا حصل لبنان على متطلباته، بعدما كان الكلام على سقف هو اتفاق عدم اعتداء. وقال مرجع سياسي معلقاً على كلام سلام: «إن التنازلات تبدو بلا قعر، لكنها بلا نتائج»، وسأل سلام العائد من سورية: لماذا لم يستفد من التجربة السورية التي قال المبعوث الأميركي توماس برّاك إن على لبنان الاقتداء بها؟ ولماذا لم يسأل سلام الرئيس السوري أحمد الشرع -الذي تربطه بواشنطن والدول العربية والإسلامية علاقات أفضل من لبنان – لماذا لم تنجح هذه العلاقات بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وفرض الانسحاب الإسرائيلي الذي تريد سورية أن يشمل فقط المناطق التي تم احتلالها حديثاً وتقبل أن لا يتم البحث بمستقبل الجولان السوري المحتل، رغم أن ليس في سورية مقاومة ولا سلاح ولا «حروب الآخرين»، وسورية تفاوض من سنة بمشاركة وزير الخارجية ووزير الدفاع ورئيس الأركان ورئيس المخابرات، دون جدوى؟

يدخل لبنان جولة واشنطن الثالثة يومي الخميس والجمعة، يشارك فيها للمرة الأولى السفير السابق سيمون كرم الذي توجه إلى الولايات المتحدة، فيما الجبهة الجنوبية لم تهدأ منذ إعلان الهدنة الأميركية؛ فـ»إسرائيل» تتعامل مع التفاوض باعتباره امتدادًا للحرب بوسائل أخرى، لا بديلاً منها. ففي الجنوب، يتقدّم التصعيد على أيّ حديثٍ عن التهدئة؛ غاراتٌ إسرائيلية تتوسّع، و»حزب الله» يرفع وتيرة استخدام المسيّرات والقصف، فيما تدخل «إسرائيل» مرحلة تطوير أدواتها التقنية لمواجهة هذا النوع من الحرب، عبر إدخال منظومات تصويبٍ ذكية وذخائر مخصّصة لإسقاط المسيّرات. وهذا بحدّ ذاته يكشف طبيعة المرحلة المقبلة بانتظار ما ستؤول إليه مفاوضات باكستان ومفاوضات واشنطن. قال رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إنه «لا يوجد وقف لإطلاق النار في الجبهة الشمالية».

وأضاف: «هدفنا منع تهديد الصواريخ المضادة للدروع ومنع التسلل للجليل وتهيئة ظروف تفكيك حزب الله». وتابع قائلاً: «لم يحدد للجيش الإسرائيلي هدف نزع سلاح حزب الله».

وفي السياق نفسه، تقول مصادر سياسية إن الخطر الحقيقي في طبيعة المشروع السياسي الذي تحمله واشنطن إلى طاولة التفاوض؛ فالإدارة الأميركية، بحسب المصادر، لم تعد تتحدّث عن ترتيباتٍ حدودية أو تنفيذٍ تقنيّ للقرار 1701، بل عن «سلامٍ وأمنٍ شامل»، مقرونٍ بعناوين واضحة: نزع سلاح «حزب الله»، إعادة الإعمار، وضمان الاستقرار الاقتصادي. أي إنّ المعادلة الأميركية باتت أكثر وضوحًا من أيّ وقتٍ مضى: لا دعم بلا تغييرٍ جذريّ في التوازنات الداخلية اللبنانية. أما لبنان فيحاول، بحسب مصادر سياسية، تقديم المفاوضات بوصفها مسارًا أمنيًّا يهدف إلى وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي؛ فالتوجيهات التي يتزود بها الوفد اللبناني لهذه المفاوضات تتركز على 5 نقاط هي: تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الأعمال العدائية، بدء الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة، نشر الجيش اللبناني بشكل متناسق مع الانسحاب الإسرائيلي، عودة الأهالي إلى مناطق انتشار الجيش في الجنوب، وإعادة الأسرى اللبنانيين، وتثبيت الحدود اللبنانية الجنوبية.

في موازاة ذلك، رأى عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النّائب علي فيّاض أنّ المواقف الأخيرة التي أعلنها أركان السّلطة اللّبنانيّة، وتحديدًا الرّئيسان جوزاف عون ونوّاف سلام، تعكس «اتّجاهًا لتصويب الموقف التفاوضيّ اللّبنانيّ»، من خلال السّعي إلى صياغة موقف يقترب من الثّوابت اللّبنانيّة، ويسقط، بحسب قوله، «أيّ إشارة إلى أوهام السّلام مع العدوّ». وقال فيّاض، خلال حفل تكريميّ، إنّ هذا التوجّه «ليس كافيًا»، معربًا عن أمله أن تمضي السّلطة في «سياسة المراجعة والتّصويب»، بما يتيح بناء موقف وطنيّ جامع.

وشدّد على ضرورة أن تأخذ السّلطة في حساباتها، كما قال، «المأزق الأميركيّ في حربه ضدّ إيران، والمأزق الإسرائيليّ في حالة الاستنزاف الخطيرة في مواجهة المقاومة في المنطقة الحدوديّة»، واصفًا هذه الحالة بأنّها «كمين استراتيجيّ خطير» بالنّسبة إلى «إسرائيل». ودعا فيّاض السّلطة إلى «التّعاطي بواقعيّة بعيدًا من منطق المكابرة»، وإلى المضيّ في سياسة تقوية الموقف، «بالاستفادة من عناصر القوّة»، بما فيها «الإقلاع عن التّفريط العبثيّ بالمقاومة، والعودة إلى فتح قنوات التّواصل مع إيران، وتصحيح الأخطاء التي مورست بحقّها».

وانتقد فيّاض ما اعتبره تناقضًا في موقف السّلطة، قائلًا إنّها أعلنت مرارًا أنّها «لن تفاوض تحت النّيران»، لكنّها تمضي إلى التّفاوض مع «إسرائيل» في ظلّ تصاعد حملات القتل والتّدمير. وأضاف: «مرّة جديدة تستعدّ السّلطة للمشاركة في جولة مفاوضات مباشرة، مع رفع مستوى المشاركة في الوفد التفاوضيّ، في ظلّ تنامي التّصعيد الإسرائيليّ جنوبًا وصولًا إلى استهداف الضّاحية الجنوبيّة». ودعا فيّاض إلى التمسّك بإلزام «إسرائيل» وقفًا شاملًا وكاملًا لإطلاق النّار، ووضع حدّ لما سمّاه «حرّيّة الحركة بغطاء أميركيّ»، معتبرًا أنّ ذلك يجب أن يكون شرطًا مسبقًا لأيّ تفاعل تفاوضيّ، ومؤكّدًا أنّ «لبنان ليس بحاجة إلى مفاوضات مباشرة».

على خطّ دبلوماسيّ موازٍ، غادر وزير الخارجيّة والمغتربين يوسف رجّي بيروت متوجّهًا إلى روما والفاتيكان، في زيارة رسميّة تتصدّرها لقاءات مع أمين سرّ دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، ونظيره الإيطاليّ أنتونيو تاياني. وتكتسب الزيارة أهمّيّة خاصّة في ضوء المواقف المتكرّرة التي أطلقها البابا لاوون الرّابع عشر، والدّاعية إلى تحقيق السّلام في لبنان، فضلًا عن الدّور الدّبلوماسيّ الذي يضطلع به الكرسيّ الرّسوليّ بعيدًا من الأضواء، دعمًا لقيام الدّولة في لبنان، وترسيخ صورته وطنًا لكرامة الإنسان، ومنارةً للحرّيّة، وملتقى للتّفاعل الدّينيّ والثّقافيّ السّلميّ في العالم.

أمّا على الصّعيد الإيطاليّ، فتتمحور المباحثات حول اهتمام روما بتعزيز الاستقرار في لبنان، والدّور الذي تؤدّيه داخل منظومة الاتّحاد الأوروبيّ في هذا الملفّ. ومن المتوقّع أن يبحث الوزير رجّي مع نظيره تاياني مسألة الدّعم العسكريّ الإيطاليّ المتواصل للجيش اللّبنانيّ، ومساهمة إيطاليا الفاعلة في قوّات «اليونيفيل»، بوصفها من أبرز الدّول المشاركة فيها، إلى جانب التباحث في استعداد روما لدعم أيّ مقترح لبنانيّ بديل عن هذه القوّات، أو مكمّل لدورها في حفظ الاستقرار جنوب اللّيطاني.

إلى ذلك، تم تأجيل جلسة اللجان النيابية المشتركة التي كانت مقررة اليوم، والتي كان يُفترض أن تبحث في الصيغة النهائية للقانون تمهيداً لإقراره. عقد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون اجتماعًا في قصر بعبدا، حضره وزير الدّفاع ميشال منسّى، والنوّاب: أشرف ريفي، سليم الصّايغ، ميشال معوّض، أحمد الخير، بلال عبدالله، وضّاح صادق، فراس حمدان، وغادة أيّوب. وتمّ خلال الاجتماع البحث في المداولات المتعلّقة باقتراح القانون الرّامي إلى منح عفو عام، وخفض مدّة بعض العقوبات بشكل استثنائيّ. وبحسب المعلومات، فإنّ الاجتماع كان إيجابيًّا، وتمحور حول ملفّ الموقوفين الإسلاميّين في السّجون.

وكان رئيس الحكومة نواف سلام أعلن بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع: «إننا بحثنا في التحديات الكبيرة التي تواجه لبنان وسورية في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة على أكثر من صعيد، واتفقنا على أهمية استمرار التشاور بشأنها لما فيه مصلحة البلدين»، مضيفاً: «بحثنا أيضاً خلال هذه الزيارة متابعة تنفيذ الاتفاقية الموقّعة بين البلدين حول نقل السجناء المحكومين من السجون اللبنانية إلى سورية، وتداولنا في مواصلة العمل من أجل معالجة قضية الموقوفين السوريين، وكشف مصير المفقودين والمخفيّين قسراً في كلا البلدين. وأكدنا ضرورة التشدد في ضبط الحدود السورية – اللبنانية ومنع التهريب بكل أشكاله، فضلاً عن المسائل المتعلّقة بالمعابر وتيسير حركة العابرين والبضائع».

في ثاني فضيحة انتحال صفة من نوعها في لبنان خلال أشهر، أوقفت مخابرات الجيش عاملاً عراقياً انتحل صفة مسؤول أمني في سفارة بغداد في بيروت، بعدما تمكّن من نسج علاقات وعقد لقاءات مع مسؤولين أمنيين لبنانيين رفيعي المستوى. وأوضح التحقيق الأولي أن الموقوف استعان بمستندات مزوّرة، بحسب البيان الذي أكد أنه تمّ ضبط البزّة العسكرية التي كان يستخدمها. وقال مصدر عسكري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الموقوف متزوج لبنانية ويقيم في البلاد منذ سنوات، وكان لدى توقيفه يعمل مساعداً لمالك مقهى شعبي في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث كان قد بدأ العمل في خدمة ركن السيارات، إلا أنه «تمكّن من التقرب من مسؤول استخبارات في بيروت وقدّم نفسه كضابط عراقي في فرع مكافحة الإرهاب وملحق أمني بالسفارة العراقية في بيروت»، بحسب المصدر الذي طلب عدم كشف اسمه.

وأشار إلى أن المسؤول الأمني ساعد العراقي «على التواصل مع مسؤولين أمنيين وعسكريين واللقاء بهم، ما مكّنه من خلق حيثية» في لبنان.