Beirut weather 14.65 ° C
تاريخ النشر March 30, 2026
A A A
هذا ما ورد في افتتاحية “البناء”
الكاتب: البناء

الردّ الإيراني على «اللائحة» الأميركية ذات البنود الخمسة عشر لم يأتِ تفصيلاً تفاوضياً، بل جاء نقيضاً سياسياً كاملاً لها. فبينما تضمّنت الورقة الأميركية، بحسب رويترز، سحب مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب، ووقف التخصيب، وكبح البرنامج الصاروخي، ووقف تمويل الحلفاء الإقليميين، أرسلت طهران عبر الإعلام الرسمي وحلفاء الوساطة طرحاً من خمسة بنود: وقف استهداف المسؤولين الإيرانيين، وضمانات بعدم تكرار الحرب، وتعويضات عن الحرب، ووقف الأعمال العدائية، وتثبيت سيادة إيران على مضيق هرمز، مع إصرار موازٍ على إدراج لبنان في أي وقف نار. هنا لا توجد «منطقة وسط» حقيقيّة: واشنطن تريد تفكيك عناصر القوة، وطهران تريد تثبيت نتائج الصمود وكلفة الحرب على الطرف الآخر. لذلك بدا حديث دونالد ترامب في 25 آذار/مارس عن أن الإيرانيين «يريدون صفقة بشدة» أبعد من الواقع، خصوصاً بعدما صار المشهد في 29 آذار/مارس يدور حول وساطة باكستانية غير واضحة الشكل، وتحذيرات إيرانية من أي إنزال برّي، لا حول اتفاق وشيك.

بالتوازي انعقد الاجتماع الرباعي في إسلام آباد بمشاركة باكستان والسعودية ومصر وتركيا، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث يتراجع وضوح الدور الأميركي وتتزايد مخاطر الانفلات في مضيق هرمز والبحر الأحمر. البيانات الرسمية جاءت حذرة، مركّزة على الدعوة إلى التهدئة، حماية الملاحة الدولية، وتأكيد رفض توسيع الحرب، مع التشديد على دور الدول الإقليمية في إدارة الأزمات بدل تركها رهينة التجاذبات الدولية. لكن ما دار في الكواليس، وفق تقديرات دبلوماسية، تجاوز اللغة العامة إلى بحث آليات عملية لضبط الممرات البحرية، ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وفتح قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران لتفادي كسر قواعد الاشتباك.

مصادر دبلوماسية تابعت هذا الاجتماع تشير إلى أنه يشكل منصة أوليّة لتنسيق إقليمي قد يتطور إلى إطار أوسع لملء أي فراغ أميركي محتمل. لأن الدول الأربع تمثل توازنات حيوية: السعودية بثقلها النفطي، مصر بثقلها الجيوسياسي والتحكّم بقناة السويس، تركيا بقدرتها العسكرية وموقعها بين الشرق والغرب، وباكستان الجارة القريبة من ايران وقناة اتصال وثيقة مع طهران وبيئة آسيوية أوسع. هذا الرباعي لا يطرح نفسه بديلاً مباشراً عن واشنطن، لكنه يهيئ لسيناريو «إدارة الأزمة من الداخل» إذا قررت الولايات المتحدة تقليص انخراطها أو البحث عن مخرج، وفي هذا السياق، يمكن فهم الاجتماع كمنصة تمهيدية لصفقة غير معلنة تسمح بخروج أميركي تدريجي من دون اتفاق شامل: الحفاظ على تدفق النفط وفتح مضيق هرمز كأولوية، مقابل ترتيبات غير مباشرة تمنح إيران دوراً مقبولاً في أمن المضيق، مع تغطية إقليمية تخفف من حدة الصدام. وتبرز هنا فكرة استيفاء رسوم عبور أو ترتيبات اقتصادية بديلة كأداة لتقليل الضغط عن طهران، بدل الذهاب إلى مسار التعويضات أو كسر العقوبات بشكل مباشر. هكذا يتحوّل اجتماع باكستان من لقاء تنسيقي إلى نواة تفكير في نظام إقليمي مرن، يقوم على توازن المصالح ومنع الانفجار، بانتظار ما ستقرّره واشنطن بين الاستمرار أو الانكفاء.

في الميدان كان دخول اليمن على خط الحرب هو الحدث الأبرز استراتيجياً، لكن في وقائع الحرب كان صاروخ بئر السبع الحدث الأهم بلا منازع، ليس فقط بسبب رمزيّته، بل لأن أثره تجاوز صورة «الإنذار والاعتراض» إلى مشهد حريق في منطقة صناعية خطرة. فقد قالت رويترز إن منشأة «أدما» في منطقة نيوت حوفاف، على بعد نحو 13 كيلومتراً من بئر السبع، أصيبت بصاروخ إيراني، ما أشعل حريقاً كبيراً في منطقة تضم مصانع ومواد خطرة، واستدعى 34 طاقم إطفاء، مع تحذير رسمي من الاقتراب. وتأتي هذه الضربة بعد هجوم 22 آذار على عراد وديمونا الذي قالت رويترز إنه كان من أسوأ هجمات الحرب على “إسرائيل” عدا إصابة عشرات المدنيين بعد فشل الدفاعات في اعتراض صاروخين. المعنى السياسي والعسكري واضح: جنوب فلسطين المحتلة يدخل منطقة الأمن الهش، ويصبح عمقاً للحرب أسوة بالشمال وبئر السبع صارت عنواناً لرسالة تقول إن عمق إسرائيل الصناعي والاستراتيجي لم يعد خارج المدى ولا خارج التأثير.

أما في جنوب لبنان، فالصورة الأهم ليست في عدد الغارات بل في طبيعة القتال. رويترز كانت قد وصفت عودة حزب الله إلى أسلوبه الكلاسيكي: مجموعات صغيرة، تقليل استخدام الاتصالات، وترشيد استخدام الصواريخ المضادّة للدروع، أي بناء حرب استنزاف محسوبة لا معركة استعراض نار. وأمس حين أعلن بنيامين نتنياهو توسيع «الحزام الأمني» واعترف بالحاجة إلى إبعاد نيران الصواريخ المضادة للدروع عن الحدود، كان يقول عملياً إن ما واجهه الجيش الإسرائيلي ليس عملية برية سريعة كما خُطط لها، بل احتكاك يومي مكلف يدفعه إلى التمدد أكثر بدل الحسم الأسرع. “رويترز” نقلت أيضاً أن “إسرائيل” تتحدث عن القتال حتى الليطاني، فيما تجد جيشها بعد شهر من العملية البرية غارقاً في رمال متحركة ينهي نهاراً بالحديث عن نجاح بالتوسّع ليبدأ النهار الجديد وقد خسر في الليل ما اعتقد أنه كسبه قبل يوم.

داخلياً، دخل ملف السفير الإيراني الاستعصاء المأزوم، حيث قرار وزير الخارجية يوسف رجي سحب اعتماد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني وطلب مغادرته قبل 29 آذار بات حبراً على ورق مع انتهاء المهلة،. في المقابل، كانت المقاطعة الحكومية قد بدأت بالفعل، بعدما أعلن حزب الله وحركة أمل أنهما قاطعاً جلسة مجلس الوزراء احتجاجاً على قرار الطرد. بذلك لم تعد المسألة تقنية ديبلوماسية، بل صارت اختبار قوة داخل الدولة نفسها: الحكومة أصدرت القرار، والثنائي يرفض تنفيذه، والسفير باقٍ، فيما لا تبدو لدى السلطة آلية واضحة للتراجع ولا للحسم. وهذه هي أخطر لحظة في الملف: انتقال الأزمة من عنوان سياسيّ إلى أزمة حكوميّة في لحظة حرب مفتوحة على الحدود.

في لحظة شديدة التعقيد، يعود الحراك الدبلوماسي إلى الواجهة، حاملاً معه محاولات خجولة لاحتواء التصعيد المتسارع بين لبنان و»إسرائيل». فوسط الضجيج العسكري تتحرك القاهرة عبر قنواتها الأمنية في مسعى لإعادة فتح باب الحلول، ولو من شقٍ ضيق.

وتقول مصادر سياسية إن زيارة الموفد المصري إلى بيروت شكلت بداية اختبار لنيات الأطراف المعنية. اللقاء الذي جمع وفد المخابرات المصرية مع حزب الله عكس مقاربة أولية تقوم على تبادل الأفكار أكثر من اتخاذ قرارات حاسمة، في وقت لا تزال فيه الأولوية الميدانية تتقدّم على أي التزام سياسي واضح. وتشير المصادر إلى بروز دور نبيه بري كقناة تفاوض أساسية، ما يعكس تمسك الحزب بإدارة الملف عبر الأطر الداخلية، ورفضه القفز إلى استحقاقات كبرى قبل اتضاح مسار الميدان. أما الطروحات التي تم تداولها، فهي، وفق المعطيات، ليست سوى اللبنات الأولى لمسار طويل ومعقد، عنوانه الأبرز وقف إطلاق النار كمدخل لأي تسوية محتملة.

وتشير أوساط سياسية إلى أن المبادرة المصرية تبدو أقرب إلى جسّ نبض سياسي منها إلى مبادرة مكتملة الأركان، فيما تبقى فرص النجاح رهناً بتطورات الميدان أولاً، وبمدى استعداد «إسرائيل» لتخفيف حدة التصعيد ثانياً.

أما ميدانياً، فادعى جيش الاحتلال الإسرائيلي أن قواته دخلت إلى الجنوب من الجولان السوريّ «الذي نسيطر عليه منذ 2024 للمرة الأولى». كما ادّعى المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أنّه «أنجزت قوات وحدة رجال – الألب تحت قيادة لواء الجبال (810) عملية مخصصة لإحباط محاولات تموضع التنظيمات في منطقة الحدود مع لبنان. وفي إطار العملية عملت القوات في تضاريس جبلية معقدة وعبرت الحدود من خلال التسلق في الثلوج من جبل الشيخ في شقه السوري إلى منطقة حاروف في جنوب لبنان بهدف تمشيط المنطقة وجمع المعلومات الاستخبارية، وكشف بنى تحتية للعدو في المنطقة، وذلك باستخدام القدرات والأدوات الفريدة لوحدة الكوماندوز الجبلية».

وأضاف: «تواصل قوات الفرقة 210 انتشارها في المنطقة بهدف حماية أمن مواطني «إسرائيل» ولا سيما سكان الشمال».

وأوردت صحيفة العدو يديعوت أحرونوت، عن توجه داخل المؤسسة العسكرية والسياسية الإسرائيلية للإبقاء على القوات في جنوب لبنان لفترة طويلة، تمتد لأشهر وربما لسنوات، في إطار محاولة فرض واقع أمني جديد على الحدود. واعتبر تقرير لصحيفة العدو معاريف، أن الصورة الميدانيّة مقلقة في جنوب لبنان، مشيرًا إلى أنّ الجيش الإسرائيلي يعتمد ما يُعرَف بـ»الدفاع المتقدّم»، حيث حشد عشرات الآلاف من الجنود على الحدود وداخل الأراضي اللبنانية، لكنه اكتفى بالسيطرة على نقاط محدودة، متوقفًا على مسافات قصيرة من الخط الحدودي. وبحسب التقرير، فإن هذا النمط القتالي يضع القوات في موقع حساس، إذ تكون الأولوية لتفادي الخسائر، ما يمنح حزب الله هامشًا أوسع للاستنزاف عبر تكثيف الهجمات بالصواريخ المضادة للدروع وقذائف الهاون، وهو ما انعكس في ارتفاع عدد الإصابات في صفوف الجيش الإسرائيلي خلال الفترة الأخيرة.

وأعلن رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه أمر الجيش بتوسيع المنطقة العازلة داخل الأراضي اللبنانية، في ظل استمرار الحرب بالتوازي مع الاجتياح البري. وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن نتنياهو عقد تقييمًا أمنيًا بمشاركة وزير الحرب يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، خُصّص لبحث توسيع نطاق العمليات البرية في جنوب لبنان.

في السياق نفسه، تحدّثت القناة 13 الإسرائيلية عن خلافات داخل «الكابينت» حول توسيع المنطقة العازلة في لبنان.

وأعلنت القناة 14 الإسرائيلية، أنه وللمرة الأولى منذ بدء الحرب تم إدخال بطاريات مدفعية تابعة للجيش الإسرائيلي إلى داخل الأراضي اللبنانية.

في المقابل أصدر «حزب الله»، سلسلة بيانات أعلن فيها تنفيذ عمليات ضد أهدافٍ إسرائيلية. وأعلن الحزب أنه قصف قاعدة بيريا (القاعدة الأساسيّة للدفاع الجوّيّ والصاروخيّ التابع ‏لقيادة المنطقة الشماليّة) شمال مدينة صفد المحتلّة بسربٍ من المسيّرات، فيما استهدف أيضاً قوّة مدرّعة من جيش العدوّ الإسرائيليّ أثناء عملها على سحب آليّة مصابة في دير سريان بقذائف المدفعيّة.

وقال حزب الله إنه استهدف مروحيّة معادية في أجواء بلدة العديسة الحدوديّة بصاروخ دفاع جوّيّ وأجبرها على الانسحاب، فيما قصف تجمعاً لجنود وآليات جيش العدوّ الإسرائيليّ في موقع المالكيّة بصلية صاروخيّة. كما تحدّث الحزب عن استهدافه قاعدة محفاه ألون جنوب غرب مدينة صفد المحتلّة بصلية صاروخيّة، فيما أعلن عن قصفه مستوطنتي المطلة وشتولا بصليات صاروخية. كذلك، قصف «حزب الله» موقع الغجر بصلية صاروخية، فيما استهدف أيضاً قاعدة راوية في الجولان السوري المحتل بسرب من المسيرات الانقضاضية. كما قصف تجمعًا لجنود الجيش العدو في البياضة بالمدفعية، ما أدّى إلى وقوع إصابات وإجلاء الجرحى تحت غطاء دخاني.

وفي إطار التحذير الذي وجّهه لعدد من مستوطنات شمال «إسرائيل»، استهدف الحزب مستوطنات المالكية ويرؤون وأفيفيم بصليات صاروخية، بالتوازي مع استهداف دبابتي ميركافا قرب بيت ليف وإصابتهما.

كما أعلن الحزب عن اشتباك مباشر من مسافة قريبة مع قوة إسرائيلية في بلدة شمع باستخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، ما أدّى إلى إصابات استدعت تدخل المروحيات لإجلاء الجرحى.

في المقابل، تحدّثت هيئة البث الإسرائيلية عن أضرار مادية كبيرة في المطلة جراء صواريخ أطلقت من لبنان. نقلت وسائل إعلام العدو، أن حزب الله كان قريباً من قتل القيادة العسكرية الميدانية التي تناور في القطاع الغربي ليل الجمعة، أصيب خلال الكمين ضابط كبير.

إلى ذلك أعلنت وزارة الصحة عن حصيلة ضحايا الحرب الإسرائيلية التّي ارتفعت إلى 1238 شهيداً و3543 جريحاً، منذ بداية الحرب على لبنان. وشجب وزير الصحة ركان ناصر الدين التسارع الكبير في وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية، والتي طالت في الساعات الإثنتي عشرة الأخيرة القطاعات الإسعافية بشكل خاص، إضافة إلى اعتداء مزدوج على الجسم الإعلامي والإسعافي، حيث تلى استهداف الإعلاميين في جزين استهداف ثانٍ مباشر للفريق الإسعافي الذي هرع لإنقاذهم، مؤكدًا أن عدد المسعفين وصل حتى الآن إلى 51 شهيدًا. وبلغ عدد الاعتداءات على القطاع الصحي حتى الساعة 75 من بينها خمسة اعتداءات بتاريخ اليوم.

استشهد يوم السبت الزميل الإعلاميّ في قناة «المنار» علي شعيب، والزميلة في قناة «الميادين» فاطمة فتوني، والمصوّر الصحافيّ محمد فتوني، شقيق فاطمة، وأحمد عبد الله عنيسة، فيما جرح آخرون، جرّاء استهدافٍ إسرائيليٍّ طاقمًا إعلاميًّا في كفرحونة، في جزّين.

ودان رئيس الجمهوريّة جوزاف عون استهداف إسرائيل الإعلاميّين، وقال: «مرّةً أخرى يستبيح العدوان الإسرائيليّ أبسط قواعد القوانين الدوليّة، والقانون الدوليّ الإنسانيّ، وقوانين الحرب، باستهدافه مراسلين صحافيّين، هم في النّهاية مدنيّون يقومون بواجبٍ مهنيٍّ. إنّها جريمةٌ سافرةٌ تنتهك جميع الأعراف والمعاهدات التي يتمتّع الصحافيّون بموجبها بحمايةٍ دوليّةٍ في الحروب، وفقًا لاتفاقيّات جنيف لعام 1949 وبروتوكولاتها، وتحديدًا المادّة 79 من البروتوكول الإضافيّ الأوّل، 1977، والقرار 1738 لمجلس الأمن، 2006، ممّا يحظر استهداف الصحافيّين والإعلاميّين، ما لم يشاركوا مباشرةً في الأعمال العدائيّة. وإذ ندين بشدّةٍ هذا الاعتداء، نطالب الجهات الدوليّة كافّةً بالتحرّك لوقف ما يحصل على أرضنا، ونكرّر العزاء لذوي الشهداء وللجسم الصحافيّ والإعلاميّ في لبنان».

من جهته، ندّد رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي باستهداف المسعفين والإعلاميّين وجنود الجيش اللبناني، واصفًا ما ترتكبه «إسرائيل» بأنّه «جريمةُ حربٍ» تُنفَّذ «مع سبق الإصرار والتَّرصّد»، في مخالفةٍ صريحةٍ لكلّ القوانين والأعراف الإنسانيّة.

وقال برّي إنّ هذه الجريمة تُشكّل دعوةً للبنانيّين إلى التمسّك بوحدتهم، مضيفًا: «الوحدة، ثمّ الوحدة».