Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر February 26, 2026
A A A
هذا ما ورد في افتتاحية “البناء”
الكاتب: البناء

يتفاوت منظور أميركا وإيران من مفاوضات جنيف الحاسمة التي تعقد اليوم وسط انشغال عالمي بما سينتج عنها، ومن وجهة نظر أميركا تبدو الحرب خياراً مفضلاً إذا ثبت أنه محدود المخاطر مضمون النتائج، فالحرب تريح صورة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظرية القوة الخارقة والسلام بالقوة، وتمهد المنطقة لفرض هيمنة أميركية شبه مطلقة إذا نجحت الحرب في تحقيق سقفها الأعلى بإسقاط إيران أو إضعافها لفرض شروط الخضوع عليها، وتتيح تصوير أي اتفاق يليها كنتيجة للحرب، إذا لم تتحقق السيطرة الكلية على مسار الحرب، لكن إذا ثبت أن الحرب مخاطرة كبرى بسبب ما أعدّته إيران وما تملكه من قدرات ومن ثبات وتستعدّ له في حال المواجهة، وإذا ثبت أن تحمّل هذه المخاطر لن يؤدي بالضرورة إلى تحقيق الأهداف سواء لصعوبة سقوط النظام ومفعول الحرب العكسي على الوحدة الداخلية بين الإيرانيين ونظام الحكم في إيران، عندها فقط تنظر واشنطن بعين الجدية للمسار التفاوضي، ويقرأون بتمعن ما أعدّه الإيرانيون، وهذا الحال الأميركي هو عكس حال إيران تماماً التي تهاجم دبلوماسياً سعياً للتوصل إلى اتفاق، باعتبار أن إيران جادة في التوصل إلى اتفاق يقوم على صفقة تضمن طمأنة واشنطن إلى أن برنامج إيران النووي كان وسيبقى سلمياً، مقابل رفع العقوبات الأميركية عن إيران أو أغلب هذه العقوبات وأشدها تأثيراً على الاقتصاد الإيراني، لكن إيران لا تعيش في الوهم، وهي تدرك أنها إذا قدمت أفضل مشروع اتفاق للجانب الأميركي وكانت الحرب خياراً أسهل وأكثر فائدة للجانب الأميركي فإن الحرب سوف تقع، ولذلك تذهب إيران للمفاوضات وكأن المفاوضات ناجحة حكماً، وتستعدّ إيران للمواجهة كما لو أن المفاوضات فاشلة حكماً، والحرب آتية لا ريبَ فيها.

بعض المعلومات المتداولة إعلامياً من مصادر تتابع مسار التفاوض تقول إن الورقة الإيرانية تلقى قبولاً مبدئياً أميركياً، وتشكل أساس اتفاق جديد بين طهران وواشنطن، ويتضمّن المشروع الإيراني وفق المعلومات ضمان حق إيران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، مقابل تعليق إيران للتخصيب لعدة سنوات يتم تحديدها في الاتفاق، وقبولها بتخفيض التخصيب إلى نسبة 3,67 % وتخفيض نسبة التخصيب في المخزون المخصّب على نسبة 60 % الى 20 %، وتعزيز فرق الرقابة والتفتيش التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتقول المعلومات إن واشنطن قبلت مبدئياً مع ربط النزاع حول البرنامج الصاروخي والعلاقة بقوى المقاومة والوضع الداخلي الإيراني وإبقاء العقوبات الخاصة بكل من هذه البنود، وهي عقوبات على أشخاص وشركات وهيئات معنية بهذه العناوين، بينما العقوبات المرتبطة بالملف النووي فتشمل المصرف المركزي والمصارف التجارية إضافة إلى تجارة النفط والغاز والبتروكيماويات والمشتقات النفطية.

في كيان الاحتلال ترويج لخيار الحرب وتأكيد على أن القرار الأميركي اتُخذ بالحرب، ودعوة للاستعداد لتحمل تبعات الحرب والصمود، لكن ذلك لم يحجب أصواتاً تتحدّث عن ترجيح الاتفاق وتسميه خيانة أميركية أو هروباً أميركياً وتدعو للاستعداد لتكلفة هذا الخيار الأميركي بالتخلي عن الشراكة مع «إسرائيل» في شأن شديد الأهمية لمستقبلها الوجوديّ وأمنها الاستراتيجي.

وتتجه الأنظار العالمية الى جنيف التي تشهد على جولة حاسمة من المفاوضات الأميركية – الإيرانية والتي سترسم نتائجها أكانت سلبية أو إيجابية المشهد الإقليمي والدولي الجديد، حيث يرجّح أكثر من مصدر دبلوماسي أوروبي وعربي غلبة الخيار الدبلوماسي على الخيار العسكري نظراً للتداعيات الكارثية لأي حرب كبرى على مستوى المنطقة وعدم وجود ضمانة أميركية بتحقيق أهداف الحرب بوقت سريع وكلفة أقلّ وتحييد «إسرائيل» عن مرمى الصواريخ الإيرانية وحلفائها في المنطقة من العراق إلى لبنان واليمن. وتكشف المصادر لـ»البناء» عن دخول كثير من دول أوروبية وعربية على خط الوساطة بين أميركا وإيران لتغليب لغة التفاوض وتجنّب الحرب، مع توجيه نصائح لواشنطن وتحذيرات من مغبة استخدام القوة مع إيران، لأنها ستؤدي إلى تضرّر الاقتصاد الأوروبي وتهدّد أمن واستقرار الدول العربية لا سيّما تلك المجاورة لإيران وإشعال الحرب في ساحات متعدّدة بين تنظيمات مسلحة و»إسرائيل»، كما وجّهت هذه الدول الأوروبية والعربية نصائح إلى إيران لاحتواء الضغوط الأميركية وتقديم تنازلات على صعيد ملفها النووي لنزع الذرائع الأميركية لشن حرب عسكرية. ودعت المصادر إلى انتظار الجولة التفاوضية اليوم لسبر أغوار التوجهات الأميركية، مرجّحة الخروج بأجواء إيجابية لوجود إرادة لدى الجانبين بتحقيق اختراق ما في جدار الشروط الصلب، لكن لا تتوقع المصادر خروج الدخان الأبيض من فيينا بعد جولة اليوم وقد تحتاج الأمور إلى جولات أخرى، لكن الأهم استبعاد الخيار العسكري واستمرار التفاوض ولو بنتائج بطيئة.

وبعد الولايات المتحدة، أعلنت الحكومة الاسترالية أنّها وجهت أفراد عائلات المسؤولين العاملين في «إسرائيل» والأردن وقطر والإمارات ولبنان بالمغادرة لتدهور الوضع في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أنّ الوضع الأمني غير مستقر والتوترات الإقليمية مرتفعة مع خطر نشوب صراع عسكري. وأكّدت أنّ النزاعات في الشرق الأوسط قد تؤدي إلى إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات الجوية.

وفيما وضِع الملف اللبناني على رصيف الانتظار حتى يتبيّن خيط نتائج المفاوضات النوويّة من خيطها الأسود، مع تجميد ملف حصريّة السلاح وربط مؤتمر باريس في الخامس من الشهر المقبل وملف الانتخابات النيابية بما ستفضي إليه مفاوضات جنيف، وفق ما تشير أوساط سياسية لـ»البناء»، والتي تعتبر أنّ الولايات المتحدة الأميركية ماضية في استراتيجيتها للسيطرة الأمنية والعسكرية والسياسية على لبنان عبر سياسة الضغوط المالية والدبلوماسية القصوى واستخدام الآليّة العسكرية الإسرائيلية لفرض معادلة جديدة على لبنان، لكنها لا تريد الذهاب إلى حرب «كسر عظم» مع حزب الله في لبنان لئلا يؤثر على وضع حلفائها وتخسر من نفوذها في لبنان إذا ما حصل اصطدام بين الجيش والمقاومة والأهالي أو فتنة بين المكوّنات اللبنانية، مضيفة أنّ «واشنطن تريد إبقاء السيف العسكري الإسرائيلي مسلطاً على رقبة حزب الله وعلى الدولة اللبنانية لدفعهما لتقديم تنازلات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية»، وتلفت الأوساط إلى أن أقصى ما يمكن أن تقدمه الدول الراعية لمؤتمر باريس هو دعم محدود للجيش اللبناني والقوى المسلحة بالعتاد العسكري والتدريب وبعض التجهيزات لكي يستكمل الجيش مهمة حصر السلاح في شمال الليطاني، من دون أي دعم مالي وعسكري جدّي يمكّن الجيش من الدفاع عن الحدود وردع الاعتداءات الإسرائيلية.

وغداة الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش والقوى الأمنية اللبنانية الذي استضافته القاهرة أمس الأول، والذي ناقش احتياجات الجيش لاستكمال خطة حصر السلاح شمال الليطاني، وزّعت السفارة الفرنسية في بيروت برنامج مؤتمر دعم الجيش الذي سيعقد في باريس في 5 آذار المقبل، بحسب ما نشرت وزارة الخارجية الفرنسية. وتوازياً، عُقد أمس اجتماع للجنة الميكانيزم في رأس الناقورة، اقتصر على العسكريين، قبل أن يُعقد اجتماع في ثكنة الجيش في صور للضباط اللبنانيين والأميركيين.

وبحسب مصدر نيابي فإنّ «اجتماعات لجنة الميكانيزم باتت شكليّة فقط للزوم تقطيع الوقت والتغطية على الاعتداءات الإسرائيلية والتوسّع والتوغل داخل الأراضي اللبنانية للتمهيد العسكري والجغرافي والأمني للمنطقة العازلة على طول الشريط الحدوديّ حتى تتوافر الظروف المناسبة الإقليمية والدولية والمحلية لتشريع هذه المنطقة عبر اتفاقية أمنية أو سلام تسعى إليه واشنطن بين لبنان و»إسرائيل»»، ولفت المصدر لـ»البناء» إلى أن «لجنة الإشراف على تطبيق وقف إطلاق النار أصبحت من دون أيّ دور ومجرد شاهد زور على العربدة الإسرائيليّة وتغطية العبث الإسرائيلي بخريطة وجغرافية المنطقة الحدودية». وكشف المصدر النيابيّ أن اجتماع اللجنة بشقها العسكريّ فقط من دون الوفود المدنيّة ليس بريئاً، إذ لم يعُد هناك مصلحة إسرائيليّة بالتفاوض السياسيّ داخل اللجنة لأنّ العضو اللبنانيّ لا يملك صلاحيات للتفاوض والتوقيع على أيّ اتفاق، وأنّ الدولة اللبنانيّة لم تستجب للشروط الإسرائيلية التي تحدّث عنها العضو اللبنانيّ المدنيّ في اللجنة السفير السابق سيمون كرم في أحد تصريحاته، كما أن «إسرائيل» حسمت خيارها بالاحتفاظ بالنقاط الخمس بقوة الأمر الواقع ومن خارج اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 وبموافقة أميركية، وفق ما صرّح وزير الحرب الإسرائيلي منذ أيام. وبالتالي «إسرائيل» تفرض وقائع عسكرية وأمنية في الجنوب وقواعد اشتباك في كل لبنان، وتريد جرّ لبنان تحت الضغط العسكري والحصار والعقوبات إلى تشكيل لجنة أخرى لمفاوضات اقتصادية سياسية تحقق أهدافها مع الوقت.

وفيما واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ أجندته التدميرية والعدوانية، زعم أن قوات اللواء 300 عثرت على وسائل قتاليّة ونقاط رصد وإطلاق نار في منطقة جنوب لبنان.

وعمل الجيش اللبناني منذ صباح أمس، على رفع سواتر ترابية وتحصين نقطة تمركزه المستحدثة في منطقة سردة – قضاء مرجعيون. وتعرّض عدد من المزارعين في منطقة «سعسع» عند أطراف بلدة رميش – قضاء بنت جبيل لثلاث قنابل صوتيّة ألقتها مسيرات إسرائيلية بعد ظهر الأمس. وحلّقت طائرة استطلاع إسرائيليّة على علوّ منخفض جدّاً فوق قرى السلسلتين الشرقية والغربية وفي محيطهما في منطقة البقاع. كما قامت محلقة إسرائيلية بإلقاء 3 قنابل صوتية قرب مستوصف الإمام الصدر في بلدة عيتا الشعب.

وأفادت مصادر عسكرية لقناة «الجديد»، بأنّ «الجيش اللبناني استحدث نقاطاً عسكريّة حول موقع تحتله «إسرائيل» وفي محاور يستخدمها للتوغل داخل الأراضي اللبنانية»، مؤكدة أنّ «المؤسسة العسكريّة ستستكمل استحداث نقاط المراقبة على الحدود في المواقع الأكثر عرضة للتوغل الإسرائيلي».

وقالت معلومات «الجديد»: «استحدث الجيش حتى الساعة نحو 25 نقطة على الحدود بهدف المراقبة ومنع القوات الإسرائيلية من تنفيذ عمليات ميدانيّة داخل الأراضي اللبنانية»، مضيفة: «الجيش ينسّق في تحرّكاته مع الميكانيزم وبعد الحادثة رافقته اليونيفيل إلى المراكز التي استحدثها تعبيراً عن أحقيّته بحريّة التصرّف لا سيما أن مطلب المجتمع الدولي كان انتشار الجيشِ وبسط سيادته».

إلى ذلك، أوضحت وزارة الدفاع «انّ قاعدة حامات هي قاعدة جوية لبنانية تابعة للقوات الجوية في الجيش اللبناني، وليس لأي جهة أخرى ضمنها أي سلطة أو صلاحيّة تعلو فوق القوانين والأنظمة اللبنانية»، تابعت «إنّ كل الأنشطة والمهمات في القاعدة تتمّ بإشراف وموافقة ومتابعة قيادة الجيش اللبنانيّ، وهذه القاعدة، كما مواقع وثكنات عسكرية أخرى، تستضيف فرق تدريب أجنبية تعمل تحت أنظمة وتعليمات المؤسسة العسكرية، لصالح وحدات عسكرية مختلفة في الجيش اللبناني». أضافت: إنّ قاعدة حامات الجوية تشكّل، مع قاعدة بيروت الجوية في نطاق حرم مطار رفيق الحريري الدولي وقاعدة رياق الجوية في البقاع، نقاط تلقّي واستقبال مساعدات لصالح الجيش اللبناني تشمل أعتدة وتجهيزات عسكرية وأسلحةً وذخائر عبر رحلات جويّة من دول أجنبية وفق بروتوكول تعاون مع هذه الدول. هذه الرحلات الجويّة تتم بموافقة وإشراف كافة السلطات اللبنانية ذات الاختصاص والصلاحيّة.

في الشأن السياسي والانتخابي، استقبل رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون النائب ملحم خلف الذي قال بعد اللقاء»‏لا يوجد أي طلب خارجي يقضي بعدم إجراء الانتخابات النيابية في موعدها الدستوري، والنواب لا يملكون حق التمديد لولايتهم لأن الاقتراع هو حق الشعب اللبناني وليس ملكاً لهم».

من جهته، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة مستشار الرئيس عون العميد أندريه رحال، حيث جرى بحث في تطورات الأوضاع العامة والمستجدات.

وتابع رئيس المجلس أيضاً المستجدات السياسية واستحقاق الانتخابات النيابية وشؤوناً عامة خلال استقباله الوزير السابق وديع الخازن الذي نقل عن الرئيس نبيه بري تمسكه بـ «احترام الاستحقاقات الدستورية الذي يشكل المدخل الأساس لحماية النظام الديمقراطي وفي مقدمها الانتخابات النيابية التي ستجرى في موعدها المحدّد وفقاً للدستور، رغم كل ما يثار من تكهّنات حول إمكان التمديد للمجلس النيابي»، وشدّد بري وفق الخازن على أنّ «الدستور هو الحكم والمرجعية، وأن أي مساس بالمواعيد الدستورية يعرّض الحياة البرلمانية للاهتزاز. ويفقد المواطنين ثقتهم بالمؤسسات».

وأشار رئيس الحكومة نواف سلام، خلال كلمته في الإفطار الرمضاني في السرايا الحكومية إلى أننا «في جلسة الحكومة التي انعقدت أبلغنا الجيش عن استعداده لتنفيذ المرحلة الثانية من خطته لحصر السلاح أي شمالاً بين نهري الليطاني والاوّلي، وتساءل البعض عن المدة المطلوبة، وهذه المهمة قابلة للتحقيق في 4 أشهر إذا توفّرت لقوّاتنا المسلحة نفس العوامل المساعدة والمساندة التي تأمّنت عند تنفيذ المرحلة السابقة».

وشدّد على أنّ «التزام حكومتنا بإعادة إعمار الجنوب هو التزام ثابت منذ اليوم الأول، ولهذا ما عدت إلى الجنوب ثانية إلا وقد تأكدت أنني أعود إليه ومعي ما هو أثقل وأصدق من الوعود: مشاريع محدّدة ومسارات تنفيذ وتمويلاً مخصّصاً بدأنا بتأمينه وخططاً تُترجَم على الأرض».

وأضاف سلام: «اليوم أستطيع القول إنّنا ومقارنة بكلّ مراحل الأزمة السابقة بتنا في أقرب نقطة للعودة إلى الانتظام المالي، وهذا ما سيمهّد لخروج البلاد من كابوس الانهيار الذي صنّفه البنك الدولي كأحد أكبر ثلاثة انهيارات اقتصاديّة في التاريخ الحديث».