Beirut weather 17.43 ° C
تاريخ النشر April 8, 2026
A A A
هدنة رهن المفاوضات.. إيران صمدت وأميركا وإسرائيل غرقتا في مضيق هرمز..
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في سفير الشمال 

دخل العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي على إيران مرحلة جديدة بعنوان “الهدنة المؤقتة”، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق العمليات العسكرية لمدة أسبوعين بانتظار نتائج مفاوضات مرتقبة في إسلام آباد.

 

هذا التطور الإيجابي الذي دفع العالم بأسره إلى أن يتنفس الصعداء لم يأتِ نتيجة تفوق حاسم لأي طرف بقدر ما عكس لحظة توازن قلق فرضتها اعتبارات عسكرية واقتصادية وسياسية داخلية ودولية دفعت جميع الأطراف إلى التراجع خطوة قبل الانزلاق نحو مواجهة شاملة.

 

الصدمة بدت واضحة داخل إسرائيل، ليس فقط بسبب وقف إطلاق النار، بل بسبب الطريقة التي اتُّخذ بها القرار الأميركي.

 

فقد أظهرت التسريبات أن القيادة الإسرائيلية لم تُبلَّغ مسبقاً بقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما فتح الباب أمام موجة انتقادات حادة داخل الإعلام والمنصات السياسية الإسرائيلية التي اعتبرت أن واشنطن تعاملت بإيجابية مع المقترح الإيراني، خصوصاً ما يتعلق بوقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان وهذا ما أكده رئيس حكومة باكستان صاحب الوساطة المثمرة.

 

هذا المشهد عكس اهتزازاً في مستوى التنسيق التقليدي بين الحليفين، وأثار شعوراً إسرائيلياً بأن القرار الاستراتيجي بيد ترامب وليس على إسرائيل اليوم سوى الامتثال والسير في تنفيذ كامل مندرجاته.

 

 

 

خلال الساعات التي سبقت إعلان الهدنة لعب المعنيون بهذه الحرب على حافة الهاوية، إلا أن الضغوط الأميركية الداخلية والأوروبية والعربية والاقليمية لعبت دوراً حاسماً في كبح جماح ترامب لجهة توسيع الحرب نحو استهداف البنى التحتية ومراكز الطاقة الإيرانية.

 

 

علمًا أن مثل هذا التصعيد كان سيؤدي إلى صدمة اقتصادية عالمية، خصوصاً في ظل هشاشة الأسواق وارتفاع معدلات التضخم داخل الولايات المتحدة وسائر بلدان العالم، الأمر الذي جعل كلفة الحرب السياسية والاقتصادية تتجاوز مكاسبها العسكرية المحتملة.

 

 

 

التحول الأبرز في الحرب تمثل في تبدّل الأهداف الأميركية نفسها. فبعد خطاب ترامبي تصعيدي تحدث عن إسقاط النظام الإيراني وإنهاء برنامجه النووي والصاروخي الباليستي وصولا إلى القضاء على الحضارة الإيرانية بالكامل، انخفضت سقوف الأهداف إلى ضمان فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية، وهو هدف كان متوفرا قبل الحرب ما يعني أن نتائج العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران جاءت شبه “صفرية” باستثناء الاغتيالات والتدمير الكبير الذي لحق بالمناطق الإيرانية.

 

هذا التحول يعكس انتقالاً من استراتيجية الحسم إلى مبادرات احتواء الأزمة، وهو ما فُسّر لدى خصوم واشنطن باعتباره تراجعاً واضحا فرضته الوقائع الميدانية والاقتصادية.

 

 

في المقابل، تعاملت إيران مع التطورات باعتبارها نتيجة لصمودها وقدرتها على فرض شروط تفاوضية جديدة.

 

فقد أعلنت طهران أنها أجبرت الولايات المتحدة على القبول بمناقشة مقترحها المؤلف من عشرة بنود، من بينها إنهاء الحرب على مختلف الجبهات بما فيها لبنان، رفع العقوبات، الإفراج عن الأصول المجمدة، وتنظيم المرور عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع القوات الإيرانية، إضافة إلى السعي لتثبيت أي اتفاق عبر مجلس الأمن الدولي ليتحول إلى إطار قانوني دولي.

 

سواء تحققت هذه البنود بالكامل أم بقيت جزءاً من مسار سياسي تفاوضي، فإنها تعكس محاولة واضحة لتحويل الصمود العسكري إلى مكاسب سياسية واقتصادية طويلة الأمد.

 

 

 

المفارقة أن الطرفين أعلنا النصر في الوقت نفسه. واشنطن تحدثت عن تحقيق أهدافها العسكرية وفرض فتح المضيق، بينما اعتبرت طهران أن الولايات المتحدة تراجعت عن أهدافها الأساسية.

 

 

وهذا التناقض ليس جديداً في الحروب التي تنتهي غالباً بتسويات رمادية تسمح لكل طرف بتقديم روايته الداخلية للرأي العام. إلا أن القراءة الأعمق تشير إلى أن الحرب لم تنتج تغييراً جذرياً في موازين القوى، بل أعادت تثبيت معادلة ردع متبادل في منطقة الشرق الأوسط.

 

لا شك في أن العامل الاقتصادي برز كأحد أهم عوامل القرار السياسي، فتهديد الملاحة في مضيق هرمز لم يكن مجرد ورقة عسكرية، بل أداة ضغط عالمية أثرت مباشرة في أسواق الطاقة والاقتصادات الغربية، ما جعل استمرار الحرب مخاطرة تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية.

 

وهنا تحديداً ظهرت قدرة إيران على استخدام موقعها الجغرافي كورقة استراتيجية تضغط على الاقتصاد الدولي بأكمله.

 

من الواضح أن إيران لم تسقط ولم تفقد قدراتها العسكرية الصاروخية أو النووية، كما لم تحقق إسرائيل والولايات المتحدة حسمًا استراتيجياً واضحاً.

 

وبالتالي، فإن ما حدث أقرب إلى حرب بنتائج تقاس بالنقاط، أعادت رسم خطوط الردع أكثر مما غيّرت من الواقع الإقليمي، خصوصا أن الرشقات الصاروخية الأخيرة التي أطلقتها إيران تجاه إسرائيل شكلت رسالة بأن إيران ربحت بالنقاط وأنها لم تفتح الحرب لكنها أغلقتها بالهجوم الأخير تماما كما حصل في ختام حرب حزيران الماضي.

 

يمكن القول، إن الهدنة الحالية تبدو استراحة اضطرارية فرضتها الحسابات الدولية والداخلية، لا نهاية للصراع. فالمفاوضات المرتقبة قد تؤسس لمرحلة تهدئة مؤقتة، لكنها لا تعالج جذور النزاع ولا التنافس الاستراتيجي العميق في المنطقة.

 

وما جرى يؤكد مرة جديدة أن الحروب في الشرق الأوسط لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بتقاطعات الاقتصاد العالمي والسياسة الداخلية للدول الكبرى وقدرة الأطراف الاقليمية على إدارة التوازنات بدل إسقاطها بالقوة.