Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر August 1, 2026
A A A
هدفا الإبادة والتهجير باقيان | «اتفاق غزة»: مرونة المقاومة لا «تقنع» إسرائيل
الكاتب: يوسف فارس

كتب يوسف فارس في الأخبار

لم ينتظر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إقفال ملفات الخلاف العالقة في مفاوضات «المرحلة الثانية» من اتفاق «وقف إطلاق النار» في قطاع غزة، الجارية في القاهرة، ليعلن، مساء الخميس، التوصّل إلى ما وصفه بـ«الاتفاق التاريخي». وإذ حصر ترامب جوهر هذا الاتفاق في «النزع الكامل» لسلاح حركة «حماس» وسائر «الجماعات المسلّحة» في القطاع، معتبراً أن هذه الخطوة تمثّل محطّة «مفصلية» على طريق تحقيق «السلام والأمن الدائمَين لإسرائيل وجيرانها»، فهو لم يتطرّق إلى بقية عناصر خريطة الطريق، التي تربط عملية نزع السلاح بالانسحاب الإسرائيلي، وإدخال «لجنة إدارة غزة» و«قوات الاستقرار الدولية»، والشروع في عملية إعادة الإعمار. وأضاف ترامب أن الاتفاق «يشكّل خطوة حاسمة نحو تولّي حكومة فلسطينية جديدة إدارة القطاع»، مشيراً إلى أن تلك الحكومة ستعمل «بالتعاون الوثيق مع مجلس السلام لمساعدة الشعب الفلسطيني»، فيما ستحصل إسرائيل على «الأمن الذي تستحقّه، مع عدم استخدام غزة بعد الآن كقاعدة للهجمات الإرهابية»، على حدّ قوله.

 

في موازاة ذلك، نشر «مجلس السلام» بياناً مطولاً تضمّن بنود خريطة الطريق التي يُفترض توقيعها خلال الأيام المقبلة. وبحسب البيان، تستند الخريطة هذه إلى مبادرة ترامب «الشاملة لتحقيق السلام»، التي أيّدها قرار «مجلس الأمن الدولي» الرقم 2803 (2025)، وهي تهدف إلى إنهاء الحرب، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، واستعادة الحياة الطبيعية، وتمكين الحكم الفلسطيني، وإعادة الإعمار، وتحقيق الأمن والتعافي والتنمية الاقتصادية، وإعادة تأهيل القطاعات المتضرّرة، و«تسهيل إطلاق مسار سياسي موثوق يفضي إلى تقرير المصير وإقامة الدولة».

ووفقاً للبنود التي نشرها «مجلس السلام»، يتعيّن على إسرائيل استكمال جميع التزاماتها المتبقّية بموجب «اتفاق شرم الشيخ» – وفي مقدّمها وقف العمليات العسكرية -، تمهيداً للانتقال إلى «المرحلة الثانية» من الاتفاق، وذلك خلال 14 يوماً من إقراره. وتشمل هذه المرحلة دخول «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وتشكيل لجنة دولية للتحقّق من تنفيذ عملية نزع السلاح، تضمّ ممثلين عن «مجلس السلام» والدول الكفيلة والوسطاء و«قوة الاستقرار الدولية». كما تنصّ الخطة على أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يبقى مشروطاً باستكمال الالتزامات المنصوص عليها في كلّ منها والتحقّق منها من قِبل «اللجنة الدولية»، التي تتولّى أيضاً مراقبة تنفيذ الاتفاق عبر «آلية رقابة معززة».

 

وفي مقابل ذلك، تلتزم «حماس» وفصائل المقاومة بالتخلّي عن جميع مهام الحكم المدني والأمني في القطاع لصالح «لجنة إدارة غزة»، التي تتولّى، بدورها، إدارة المؤسّسات المدنية، بما فيها معاملة جميع الموظفين المدنيين قانونياً وبشكل عادل وبكرامة في ما يتعلّق بحقوقهم. وسيشمل هذا الإجراء الإبقاء على بعض الموظفين ضمن إطار عمل اللجنة، وإنهاء خدمة آخرين وإحالة البعض الآخر إلى التقاعد، مع ضمان مستحقّاتهم المالية وحقوقهم التقاعدية، وفق القانون الفلسطيني.

تبقى قضية سلاح المقاومة البند الأكثر حساسية في الاتفاق، الذي يأتي بعدما أبدت الفصائل الفلسطينية، في الآونة الأخيرة، مرونة حيال حصر السلاح دون نزعه، على أن تتمّ عملية جمعه بقرار وطني ومن خلال جهة فلسطينية، وليس بواسطة الاحتلال. وبحسب الصيغة المطروحة، جرى تصنيف السلاح إلى ثقيل وفردي، على أن تقتصر «المرحلة الأولى» على حصر وجمع الثقيل منه. وإذ لم يحدّد أيّ من الأطراف الفلسطينية أو الوسطاء الدوليين المقصود بتوصيف «الثقيل»، فالأكيد أنه ليس السلاح الفردي أو سلاح الحماية. ومن المقرّر أن تبدأ عملية الحصر بعد 14 يوماً من دخول «لجنة إدارة غزة»، على أن ترتبط تلك العملية بانسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي تحتلّها داخل القطاع، والمعروفة بـ«الخط الأصفر».

 

سادت وسائلَ الإعلام العبرية موجة من السخرية والتشكيك في إمكان تنفيذ البنود المعلنة

 

 

وفي مقابل سيل التصريحات والتسريبات بشأن الاتفاق، أبدت حركة «الجهاد الإسلامي» تحفّظاً واضحاً على الصيغة المتداولة، مؤكدةً، في بيان مقتضب، أن الاتفاق المعلَن عنه من قِبل عدة أطراف «غير دقيق، ونحن نتحفّظ عليه بالصيغة الحالية». أمّا حركة «حماس»، فشدّدت على أن المدخل الفعلي لتنفيذ الاتفاق يبدأ بالتزام الاحتلال بوقف القتل وإنهاء اعتداءاته على قطاع غزة. وقالت الحركة، في تصريح صحافي، إن هذه الخطوة تمثّل الشرط الأول للشروع في تنفيذ ما تمّ التوافق عليه، ووضع الإطار التنفيذي والجدول الزمني لبنوده، مع التشديد على أن الانتقال إلى «المرحلة الثانية» يبقى مشروطاً بالتزام إسرائيل الكامل بتنفيذ جميع بنود «المرحلة الأولى».

وفي ما يتعلّق بملف السلاح، أوضحت «حماس» أن «الموافقة على إدراج ملف السلاح الثقيل في إطار الاتفاق قد رُبطت واشتُرطت بوقف جميع أشكال العدوان، والانسحاب من قطاع غزة، وتحقيق التعافي المبكر، ودخول اللجنة الإدارية، وانتشار قوات الحماية الدولية، وحلّ العصابات المسلحة والميليشيات التي شكّلها الاحتلال، وإعادة الإعمار، وضمان حق تقرير المصير، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة، وحماية حقوق المواطنين».

 

ورغم التنازلات التي قدّمتها فصائل المقاومة بموجب الاتفاق، أحدث الإعلان عن هذا الأخير أصداء سلبية واسعة داخل الكيان، وفتح، مبكراً، بازار المزايدات السياسية والدعاية الانتخابية المرتبط بالاستحقاق الانتخابي المقبل. وفي السياق، قال رئيس الأركان الإسرائيلي السابق وزعيم «حزب يشار»، غادي آيزنكوت، إن أيّ اتفاق مرتقب «سيخضع لاختبار واحد»، يتمثّل في «مدى تحقّق أهداف الحرب وهي تدمير القوة العسكرية والحكومية لحماس أو تفكيكها»، معتبراً أن أيّ نتيجة تقلّ عن ذلك تعني «الفشل». كما انتقد عدم عرض حكومة نتنياهو تفاصيل الاتفاق على الجمهور، متسائلاً عمّا إذا كانت إسرائيل شريكاً حقيقياً فيه، أم أنها أُجبرت على القبول به كما حدث في اتفاقات سابقة، بحسب تعبيره. وأعلن وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير، بدوره، رفضه القاطع للصيغة المتداولة، معتبراً أنها «غير مقبولة إطلاقاً» بالنسبة إلى إسرائيل.

 

وبالتوازي مع المواقف السياسية، سادت وسائلَ الإعلام العبرية موجة من السخرية والتشكيك في إمكان تنفيذ البنود المعلنة. وقال الصحافي أرييه إلداد، خلال مقابلة على إذاعة «103 إف إم»، ساخراً: «مبارك، لقد حلّ السلام الجديد في ربوعنا. يا لها من فرحة. ربّما أذهب اليوم إلى مأدبة احتفال بهذه المناسبة». أمّا الصحافي رون كوفمان، فقال: «أنا مضطر إلى أخذ استراحة، لأن أول ما فعلته هو أنني أسرعتُ لإنزال الغسيل حتى لا يلوثه براز حمامة السلام»، متسائلاً بسخرية: «هل ستأتي حماس مع مرشدين سياحيين وتأخذ الممثلين في جولة داخل جميع الأنفاق؟». وأضاف كوفمان أن السيناريو المتوقع لن يتعدّى تسليم «شاحنة فيها 372 بندقية كلاشينكوف تبدو في الصور كأنها كمية هائلة من السلاح، وسيضعونها في مستودع ويغلقونه، ثمّ يسلّمون المفتاح إلى ممثل «مجلس السلام»، وسيحتفظون بنسخ من مفتاح المستودع، وهم بالفعل لا ينوون فعل أيّ شيء آخر». وفي خضمّ هذه الانتقادات، التزم رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الصمت، فيما نقل مصدر سياسي في مكتبه أنه «لن يكون هناك أيّ انسحاب للجيش الإسرائيلي من الخط الأصفر الحالي من دون تفكيك حقيقي لسلاح حركة حماس».

 

وإذ لا يبدو أن الاتفاق، الذي يَنظر إليه كثير من الغزيين باعتباره «بشرى» بوقف فصول الإبادة المستمرّة منذ نحو ثلاثة سنوات، يحظى بإعجاب أيّ من طرفيه، فإنه، من وجهة نظر واقعية وسياسية، لا يعدو كونه مناورة حسّاسة وخطيرة من طرف المقاومة، أصابت حتى الإسرائيليين بالذهول، وفق ما قالته صحيفة «هآرتس». ولربّما يمكن تفسير تلك المناورة بإكراهات الواقع الذي أنتجته الحرب، والذي أضعف إمكانية اللجوء إلى العمل المقاوم بنسقه المعتاد، وذلك لمجموعة من الاعتبارات، هي الآتية:

– إنهاك الحاضنة الشعبية من جرّاء الحرب، وتحوّل ردة الفعل الإسرائيلية على أيّ فعل مقاوم إلى سلوك إبادي.

– انعدام الظروف والبيئة التي أنتجت النسق المقاوم بشكله الذي ساد خلال الـ18 الماضية، وأهمّها انسحاب إسرائيل من غزة، وسيطرة حركة «حماس» على القطاع، وامتلاكها الموارد الاقتصادية والمفاصل الأمنية والمقدّرات العامة التي سمحت ببناء مقاومة تجمع بين النمطَين المنظّم والهجين والبناء الهرمي المترابط. أمّا الآن، فلا يمكن، على سبيل المثال، بناء الأنفاق أو إعادة ترميمها، خصوصاً أن إسرائيل تمنع دخول كلّ المواد الخام ذات الصلة بالبناء، وتفرض رقابة مشدّدة حتى على دخول 100 ليتر من زيت السيارات ومولّدات الكهرباء.

– انعدام العمق الجغرافي الآمن للعمل التقليدي، في ظلّ سيطرة إسرائيل على ما نسبته 70% من مساحة القطاع، وحشر مليونَي إنسان في أقلّ من 30% من تلك المساحة. ومعنى ذلك، أنه لو امتلكت المقاومة، على سبيل المثال، صاروخاً محلّي الصنع، فإن إمكانية إطلاقه من وسط خيام النازحين مستحيلة. كما أن عمق المناورة لأيّ عملية دفاعية أو هجومية في واقع كهذا غير متاح.

يضاف إلى ما تقدّم، أن المقاومة فقدت، بعد سيطرة الاحتلال على مدينة رفح و«محور فيلادلفيا»، خطّ الإمداد الحدودي الوحيد، فيما لم تعُد عملية تعويض الفاقد والحصول على المواد الخام عبر التهريب متاحة مطلقاً. كما فقدت المقاومة، خلال ثلاث سنوات من الاستنزاف، كمّاً كبيراً من ذخائرها، ووصلت إلى مرحلة كانت تقاتل فيها حتى بالسلاح الأبيض وباللحم الحي.

وعليه، يرى البعض أن السلاح اليوم في غزة يؤدي دوراً معنوياً، مرتبطاً بشرعية المقاومة وهوية المنتصر والمهزوم وليس أكثر من ذلك. كما يرى هؤلاء أن المقاومة تريد اليوم توظيف السلاح بطريقة عكسية، أي بما يمكن أن يحقّق انسحاباً إسرائيلياً من غزة، ووقف القتل وإعادة الإعمار وضمان حقوق الموظفين، والأهمّ، عدم العودة إلى فصول الإبادة. وهذا ما عبّر عنه القيادي في «حماس»، باسم نعيم، بقوله إن ما تمّ تحقيقه لم يكن المأمول من العمل المقاوم برمّته، لكنه «المساحة بين منع عودة الحرب والحفاظ على مشروعنا الاستراتيجي».

 

أمّا على المقلب الإسرائيلي، فإن نتنياهو -المحاصَر بالحرج من كل جانب-، يعدّ آخر من يريد اتفاقاً كهذا. ذلك أن السقف الذي يمكن أن يجلب لصاحبه تفوقاً في الانتخابات المقبلة -في ظلّ انزياح معظم الجمهور الإسرائيلي نحو تبنّي طروحات اليمين-، ليس أقلّ من إبادة ما تبقّى من غزيين وتهجير البقية وإعادة الاستيطان في القطاع. وهذا هو شكل «الانتصار المطلق» الذي من شأنه محو عار السابع من أكتوبر؛ وأمّا ما دونه، فالنكوص والهزيمة. ولذا، يبدو أن نتنياهو يراهن على البحث عن ثغرة عدم التزام «حماس» ببنود الاتفاق، ليعود إلى تفريغه من مضمونه من جديد.