Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر October 9, 2026
A A A
نريد الدولة… ولكن أيّ دولة؟
الكاتب: القاضي محمد وسام المرتضى

كتب وزير الثقافة السابق القاضي محمد وسام المرتضى في الجمهورية 

في حرب تموز 2006، حدث في رميش الجنوبية ما يستحق أن نتوقف عنده. استقبلت البلدة المسيحية أكثر من 10 آلاف نازح فرّوا من القرى والبلدات المجاورة: عيتا الشعب وبنت جبيل وعيناتا ومارون الراس، حتى ضاقت بهم البيوت والمدارس والكنائس والمرافق، فيما كان القصف يحاصر المنطقة كلّها.

 

يومذاك، فتح أبناء رميش أبوابهم من غير أن يسألوا النازح عن طائفته، وأمّنوا له المأوى من دون أن يلتفتوا إلى موقفه السياسي.

 

 

 

كان السؤال أبسط وأعمق: كيف لا نفتح له الأبواب والقلوب لإنسانٍ هارب من موت يلاحقه؟ وكان جواب أحد أبناء رميش: «نحن جميعاً متشابهون في مثل هذه الأوقات».

 

جملة تختصر لبنان أكثرَ من أكثرِ الخُطَب. ففي اللحظة التي لم تميّزِ الحربُ فيها بين طائفةٍ ومنطقةٍ وشخص، استطاع اللبنانيون أن يرَوا في مُواطنِيهم أناسًا يشبهونهم في الخوف والألم والرجاء.

 

من هنا، فإنّ شعار «نريد الدولة» يحتاج إلى سؤال يسبقه: أي دولة نريد؟

 

 

 

هل نريد دولة مرجعية للجميع، أم دولة قوية إذا كانت في صفنا، وضعيفةً حين تتعارضُ مصلحتها الجامعة مع مصالحنا الضيّقة؟ هل نريد القانون مبدأً عامًّا، أم وسيلةً نتمسّك بها حين تخدمنا ونخالفُها حين تطاولنا؟

 

مَن يريد الدولة حين تكون في صفّه فقط، فإنما يريد السلطة لا الدولة. فهذه لا تكون استثمارًا آنيًّا يؤخَذُ حينًا ثم يُترك، ولا تكون لطائفة أو حزب أو أكثرية عابرة، بل تلك التي يشعر كل لبناني أنّها دولته، وأنّ أمنه وكرامته وحقوقه مصونة كأمن غيره وكرامته وحقوقه، وأنّ واجباته تجاهها تعادل واجبات سائر المواطنين.

 

 

 

لكنّ الدولة، مهما قويت، لا تستطيع أن تحفظ الوطن إذا لم يحفظ اللبنانيون بعضهم بعضًا.

 

فلبنان لا يقوم على انتصار جماعة وهزيمة أخرى، ولا تكتمل صورته إلّا بجميع مكوّناته. ورميش كانت صورة مكثفة لهذا المعنى: لبنان الذي يتألّم فيه الكل لألم البعض.

 

شعور المسيحي بأنّ ما يصيب المسلم يمسّ لبنان، وشعور المسلم تجاه المسيحي كذلك، هذا هو الذي يحمي فكرة الوطن. فالمواطنية تتحقق فعلًا حين يتبصّر كلٌّ منهما بهواجس الآخر، ويحفظ له دوره ووجوده ومقدّساته.

 

 

 

هذه ليست مجاملة أخلاقية، بل مصلحة وطنية وضرورة وجودية. فخطر المشروع الإسرائيلي لا يسأل عن الطائفة، والانقسام الداخلي يفتح له أبوابًا لا ينبغي أن نفتحها بأيدينا. وما يضعف مكوّنًا من لبنان لا يقوّي سائر المكوّنات، بل يجعل الوطن كلّه أكثر هشاشة.

 

 

 

من هنا، لا يجوز الاستهانة بقيمة الصيغة اللبنانية القائمة على التنوّع. وقد استُحضرت، في قراءات لبنانية، العبارة المنسوبة إلى مئير كاهانا المفكر السياسي الملهم لحكومة نتنياهو: «لا رسوخ لإسرائيل قبل القضاء على الصيغة اللبنانية»، للتنبيه إلى أنّ حماية هذه الصيغة ليست تفصيلًا في حياة لبنان، وهذا ما أكّده وما برح يؤكّد عليه الأب البروفسور جورج حبيقة، وأنّ جوهر هذه الصيغة لا يتحقّق بإنكار الخلافات التي هي جزء من تكوين البشر، ولا بإبقاء أي مكوّن خارج الدولة، ولا بتحويل السلطة إلى أداة لإلغاء الآخر. ليس المطلوب التماثل الكلّي بين الأفراد والجماعات، فلنا… بل علينا أن نختلف وننتقد ونتحاور؛ ولكن أن نعرف أيضًا أين ينتهي الخلاف وأين يبدأ الوطن. فإذا لم تجمعنا الأخوّة في الآلام والآمال، فلتجمعنا المصلحة في المصيبة. وإذا لم نستطع أن نتوحّد حبًّا، فلنتوحّد وعيًا. وإذا تعذّر أن نتفق على كل شيء، فلنتفق على ألّا نكون في خدمة عدونا، وألّا نكون سببًا في سقوط وطننا.

 

 

 

فلبنان الذي نريده ليس لبنان الغالب والمغلوب، ولا الطائفة المنتصرة والطائفة الخائفة؛ بل لبنان الذي يتسع للجميع ويحمي الجميع، ويكون فيه جرح الجنوب جرحًا في بيروت والجبل والبقاع والشمال، وخوف أي لبناني سببًا لقلق جميع اللبنانيين.

 

عندذاك لا يعود «نريد الدولة» شعارًا، بل يصبح مشروعًا لإنقاذ لبنان واستعادة دوره الرسالي.

 

حمى الله لبنان وألهمنا جميعاً الحكمة والوعي!