Beirut weather 23 ° C
تاريخ النشر September 25, 2026
A A A
نتنياهو في نيويورك: مطاردة العزلة والعار!
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في اللواء 

لم تكن رحلة بنيامين نتنياهو إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة زيارة عادية لرئيس حكومة، بل بدت أقرب إلى انتقال خاطف ومحاط بالخوف والحذر لرجل تطارده الاتهامات والاحتجاجات، وتلاحقه مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، بعدما بات اسمه مقترناً بالمجازر والدمار والتجويع في غزة، وبحرب التدمير والتهجير في جنوب لبنان.

 

منذ اللحظة الأولى، كشفت ترتيبات الزيارة حجم المأزق الذي يعيشه نتنياهو. فقد تجنّب الهبوط في مطار جون كنيدي، واختصر إقامته إلى ساعات معدودة، وسط إجراءات أمنية استثنائية، بعد مطالبة رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني الحكومة الفيدرالية بتنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحقه، مع إقراره بأن سلطات المدينة لا تملك قانوناً صلاحية اعتقاله. ومع ذلك، كانت الدلالة السياسية أقوى من الحدود القانونية: رئيس حكومة إسرائيل لم يعد يتحرك في أهم المدن الأميركية بالثقة القديمة، بل تحت هاجس الملاحقة ووسط مناخ شعبي وسياسي متزايد العداء لجرائمه.

 

أما المشهد الأكثر إهانة فكان داخل قاعة الجمعية العامة، عندما غادرت وفود عشرات الدول مقاعدها لحظة دخول نتنياهو لإلقاء كلمته، رافضة منحه شرف الاستماع، فيما كانت الاحتجاجات تتصاعد في شوارع نيويورك تنديداً بحرب الإبادة في غزة والاعتداءات على لبنان. لم يكن الانسحاب حركة بروتوكولية عابرة، بل تصويتاً أخلاقياً صامتاً ضد رجل حاول طويلاً تسويق المجازر باعتبارها «دفاعاً عن النفس»، فإذا بالعالم يرد عليه بمقاعد فارغة وظهور تديرها الوفود نحو المنصة.

 

لقد خسر نتنياهو معركة الصورة، مهما حاول المكابرة أو رفع نبرة خطابه. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير المدن وقتل المدنيين، لكنها لا تستطيع فرض الاحترام، ولا تحويل الجريمة إلى بطولة. والمظلة الأميركية، مهما بقيت متينة، لم تعد قادرة على حجب اتساع العزلة الدولية، أو إسكات الضمير العالمي.

 

ما جرى في نيويورك يؤكد أن إسرائيل، في عهد حكومة التطرف، تنتقل من فائض القوة إلى الإفلاس الأخلاقي والسياسي. ونتنياهو الذي جاء ليدافع عن حروبه، وجد نفسه متهماً أمام الرأي العام العالمي، مطارَداً في الشارع، ومقاطَعاً داخل الأمم المتحدة.

 

لقد دخل القاعة محاطاً بالحراس، وصعد المنصة وسط المقاعد الفارغة، وغادر المدينة سريعاً. وهذه ليست صورة زعيم منتصر، بل صورة رجل تضيق أمامه العواصم، بعدما ضاقت بضحاياه المقابر.