Beirut weather 13.41 ° C
تاريخ النشر February 26, 2026
A A A
نتائج كارثية للحرب… البيئة اللبنانية في مواجهة النكبة الخضراء
الكاتب: شانتال عاصي - الديار

لم تكن الحرب في لبنان يوماً مجرد نزاعٍ عابر أو صراعاً محصوراً في أروقة السياسة وفوهات البنادق، بل كانت، في جوهرها، عدواناً صامتاً ينهش جسد الحياة في أسمى تجلياتها. فخلف غبار المعارك وضجيج الانفجارات، خلّفت النزاعات أثراً بيئياً مدكراً لا يزال يئنّ تحت وطأته الجنوب الصامد والمناطق الحدودية، حيث تحولت مساحات شاسعة من جنات الزيتون والتبغ إلى أراضٍ مثقلة بالسموم والمعادن الثقيلة. إن هذا الدمار لم يكتفِ بتشريد الإنسان، بل أصاب “روح الأرض” في مقتل، فتلوثت الأنفاس بهواء مُلغّم بآثار القذائف، وتسممت التربة التي احتضنت جذور اللبنانيين لقرون. إنها “نكبة خضراء” مستمرة، تجعل من تدهور النظم البيئية وتلوث المياه والهواء معركة وجودية تتجاوز الحاضر، لتلقي بظلالها الثقيلة على حق الأجيال القادمة في العيش فوق أرضٍ معطاءة وبيئة آمنة.

 

التدهور البيئي في لبنان: الكلفة العلمية والواقع الميداني

تتجاوز الآثار البيئية للحروب في لبنان حدود الضرر المادي المباشر، لتشكل أزمة استدامة طويلة الأمد تؤثر في سلامة النظم الإيكولوجية وصحة الموارد الطبيعية. وفي تقييم حديث لحجم هذه التداعيات، أعلنت وزيرة البيئة تمارا الزين أن كلفة الأضرار البيئية الناتجة من الحرب الإسرائيلية على لبنان تجاوزت 440 مليون دولار، مع خسارة أكثر من 8700 هكتار من المساحات الخضراء، وهو ما يمثل تراجعاً حاداً في الغطاء النباتي والتنوع الحيوي الذي تحتاجه البلاد للتوازن المناخي.

وتعد عملية تلويث التربة والمياه الجوفية من أكثر التبعات تعقيداً من الناحية العلمية، إذ تؤدي الانفجارات واستخدام الذخائر المتنوعة إلى تسرب مركبات كيميائية ومعادن ثقيلة تبقى عالقة في المسام الأرضية لسنوات طويلة. هذه الملوثات لا تقتصر خطورتها على تدمير خصوبة التربة فحسب، بل تمتد لتصل إلى الأحواض المائية الجوفية عبر الترشيح الطبيعي، مما يهدد سلامة مصادر الشرب والري. وبانتقال هذه المواد الكيميائية إلى السلسلة الغذائية، تزداد احتمالات الإصابة بالنشرات السّمّية والأمراض المزمنة، مما يحول الضرر البيئي إلى خطر صحي مباشر يهدد التجمعات السكانية والحياة البرية على حد سواء.

تآكل النظم الساحلية والبيئة البحرية

لا تقتصر الأضرار البيئية للنزاعات في لبنان على اليابسة فحسب، بل تمتد لتطال النظم الحيوية البحرية والساحلية، التي تعد من أكثر الأنظمة حساسية للتغيرات الكيميائية والفيزيائية. ففي المناطق الساحلية الجنوبية، تسببت الانفجارات والمواد الكيميائية الناتجة عن الذخائر في تسريع عمليات تآكل الشواطئ واختلال توازن الرواسب الرملية، فضلاً عن تسرب ملوثات هيدروكربونية ومعادن ثقيلة إلى مياه البحر. هذه المواد تؤدي إلى تسمم العوالق النباتية والشعاب المرجانية، مما يسبب خللاً في السلسلة الغذائية البحرية ويؤثر بشكل مباشر على استدامة مصائد الأسماك التي تعتمد عليها معيشة المجتمعات المحلية.

وفي سياق متصل، تشير التقارير البيئية إلى أن التآكل الذي طال ساحل الخيام والمناطق المجاورة أدى إلى تراجع الحواجز الطبيعية، مما يزيد من هشاشة النظم الساحلية أمام العوامل المناخية. إن هذا التدهور لا يمثل خسارة بيولوجية فحسب، بل يمتد ليشمل فقدان الموائل الطبيعية التي تعمل كخطوط دفاع أولى للشاطئ، مما يجعل عملية التعافي البيئي تتطلب استراتيجيات علمية طويلة الأمد لإعادة تأهيل التربة الساحلية وتنقية المياه من الترسبات الكيميائية العالقة.

 

انحسار الغطاء الغابوي واختلال التوازن البيولوجي

تمثل النزاعات العسكرية أحد العوامل الرئيسية في تسريع تدهور الغطاء النباتي وتدمير الموائل الطبيعية في الجبال والمراعي والأراضي الزراعية. فمن الناحية العلمية، لا تقتصر الأضرار على الاحتراق المباشر للأشجار، بل تمتد لتشمل تدمير “بنوك البذور” الطبيعية في التربة نتيجة الحرارة العالية الناتجة عن القذائف، مما يعيق قدرة الغابات على التجدد الطبيعي. ويؤدي تجريف هذه المساحات إلى فقدان أنواع نباتية نادرة كانت تشكل جزءاً من الهوية الجينية للمنطقة، مما يقلل من مرونة النظام البيئي وقدرته على امتصاص الصدمات المناخية.

علاوة على ذلك، يتسبب تدمير المواطن الطبيعية في تهجير قسري للحياة البرية، حيث تفقد الحيوانات مأواها ومصادر غذائها، مما يؤدي إلى انقطاع في سلاسل التغذية الحيوية. هذا الخلل في التنوع الحيوي يضعف ما يُعرف بـ “الخدمات البيئية” التي تقدمها الطبيعة، مثل تلقيح المحاصيل وتثبيت التربة ومنع الانجراف، وهو ما يجعل مسار التعافي البيولوجي عملية معقدة وطويلة الأمد، تتجاوز مجرد إعادة التشجير لتصل إلى ضرورة إعادة بناء النظم الإيكولوجية المتكاملة من الصفر.

 

جودة الهواء والتبعات الفسيولوجية

هذا وتعد الانفجارات والحرائق الناتجة عن العمليات العسكرية مصدراً رئيساً لانبعاث ملوثات هوائية معقدة، تشمل الجسيمات الدقيقة، وأكاسيد النيتروجين، والكبريت، بالإضافة إلى مركبات عضويّة متطايرة. من الناحية العلمية، تمتلك هذه الجزيئات الدقيقة قدرة عالية على اختراق الحويصلات الهوائية والوصول إلى مجرى الدم، مما يسبب استجابات التهابية حادة تزيد من معدلات الإصابة باضطرابات الجهاز التنفسي المزمنة وأمراض القلب والأوعية الدموية.

علاوة على ذلك، يؤدي انتشار الغبار الكبريتي والمخلفات الكيميائية للذخائر إلى تدهور حاد في مؤشر جودة الهواء لفترات قد تتجاوز زمن العمليات القتالية، اعتماداً على الظروف المناخية وسرعة الرياح. وتزداد الهشاشة الصحية بشكل ملحوظ لدى الفئات العمرية الأكثر تأثراً، كالأطفال وكبار السن، نظراً لضعف كفاءة الجهاز المناعي أو عدم اكتمال نمو الرئتين، مما يجعل تلوث الهواء الناجم عن النزاعات تحدياً بيئياً يلقي بظلاله مباشرة على معايير الصحة العامة والقدرة الاستيعابية للمنظومات الطبية.

 

الترابط الهيكلي بين التدهور البيئي والأمن الغذائي

تتجاوز العواقب البيئية للنزاعات الأطر الطبيعية لتحدث خللاً بنيوياً في الركائز الاقتصادية المحلية، لا سيما في القطاعات التي تعتمد بشكل مباشر على الموارد الطبيعية. فمن منظور “خدمات النظم الإيكولوجية”، يؤدي تلوث التربة والمياه الجوفية بالمركبات الكيميائية إلى انخفاض حاد في إنتاجية الأراضي الزراعية، حيث تتأثر العمليات الفسيولوجية للنباتات، مما يقلل من كفاءة المحاصيل وجودتها الغذائية. هذا التراجع في الغلة الزراعية يهدد الأمن الغذائي المحلي بشكل مباشر، ويؤدي إلى اضطراب في سلاسل التوريد والأسواق المرتبطة بها.

بالتوازي مع ذلك، يتسبب تدهور الموائل البحرية في تراجع الكتلة الحيوية للثروة السمكية، مما يضعف مصدر دخل أساسي للمجتمعات الساحلية. إن هذا التقاطع بين التلوث البيئي والانهيار الإنتاجي يخلق ضغوطاً اقتصادية متزايدة، تساهم في ارتفاع معدلات الفقر وتدفع نحو الهجرة السكانية من المناطق المتضررة بحثاً عن بيئات أكثر استقراراً وإنتاجية. وبذلك، يصبح إصلاح الأضرار البيئية ضرورة اقتصادية ملحة لاستعادة التوازن في سوق العمل المحلي وتأمين سبل العيش المستدامة.

في نهاية المطاف، تظل الكلفة البيئية للنزاعات في لبنان أعمق أثراً وأطول أمداً من الخسائر المادية المنظورة، خاصة في المناطق الجنوبية التي تواجه تحديات إيكولوجية عابرة للأجيال. إن الانتقال من مرحلة التدهور المستمر إلى مرحلة التعافي يتطلب تبني استراتيجية علمية شاملة ترتكز على أربعة محاور تقنية أساسية: المعالجة الحيوية لتطهير الأراضي الملوثة، الإدارة المستدامة للموارد المائية، الترميم الفيزيائي للنظم الساحلية، والرقابة البيئية الصارمة لرصد جودة الهواء والتربة. إن حماية ما تبقى من النظم الطبيعية ليست مجرد خيار بيئي، بل هي ضرورة وطنية لضمان صمود الأرض والإنسان، فالتعافي الحقيقي يبدأ من ترميم القاعدة التي تقوم عليها الحياة، لضمان مستقبل تكون فيه البيئة شريكاً في الاستقرار لا ضحية للصراع.