Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر October 17, 2026
A A A
موسم الزيتون: «جيّد» رغم العدوان

كتبت رؤى قاسم:

في لبنان، لطالما اكتسبت زراعة الزيتون حيثية خاصة، إذ تعوّل عليها عائلات المزارعين في تأمين جزء من «المونة» السنوية من زيتون المائدة، فضلاً عن ما يؤمّنه بيع الزيت من مدخول مالي إضافي. ولكن وعلى الرغم من هذه الأهمية لم يأخذ هذا القطاع يوماً طابعاً تجارياً صناعياً، بل بقي، في أغلب الأحيان، ضمن إطار الإنتاج والنشاط الزراعي العائلي، ما يزيد من الهشاشة المالية للعائلات المُعتمِدة على هذه الزراعة في تأمين جزء من مدخولها السنوي، خاصة في فترة أعوام 2023 ـــ 2026، بسبب العدوان الإسرائيلي المستمر، وما رافقه من احتلال لقرى جنوبية، وتعذّر الوصول إلى الأراضي الزراعية، فضلاً عن التدهور التدريجي في الوضع الاقتصادي، وصولاً إلى موجة الغلاء الحالية، ولا سيما مع ارتفاع أسعار المحروقات.

في الحقول، وعلى الرغم من الظروف المناخية الملائمة التي أدّت إلى «حمل جيد» لأشجار الزيتون في معظم المناطق هذا الموسم، باستثناء المناطق الساحلية، بقي الإنتاج، سواء لناحية كمية الزيت أو مبيعات الزيتون، وحتى هامش الربح للمزارعين، دون المستويات المرجوّة. فقد دفع التوتر الأمني المستمر نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية العديد من المزارعين، وتحديداً في الجنوب، إلى «التبكير» في القطاف، ما أدّى إلى انخفاض نسبة الزيت في الثمار، قبل أن تبدأ بالتحسّن تدريجياً، خصوصاً مع هطول الأمطار مبكراً، في أيلول ومع بداية الشهر الجاري.
كذلك، حال العدوان الإسرائيلي، الذي امتدّ من شباط إلى حزيران، دون تمكّن المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في معظم مناطق الجنوب، وحتى في البقاع الغربي، ما حال دون تطبيق البرنامج الزراعي المعتاد، وهذا يؤثّر حتماً في الإنتاج، يقول المهندس الزراعي حسين حطيط.

 

كلفة اقتصادية متزايدة
جنوباً، يتحمّل المزارع أيضاً كلفة اقتصادية مُضاعفة، إذ تُراوِح كلفة اليد العاملة اليومية بين 25 و30 دولاراً، وخصوصاً في القرى المُحاذية للمناطق المحتلة، فيما تنخفض في البقاع والشمال إلى ما بين 20 و25 دولاراً، لقاء دوام القطاف المتعارف عليه، الممتد من الساعة التاسعة صباحاً حتى الثانية عصراً، مع الإشارة إلى أن كلفة يد المرأة العاملة في هذا المجال تختلف عن كلفة يد الرجل العامل.
وهنا، يشير حطيط إلى أنه يمكن للعائلات خفض كلفة الإنتاج عبر الاستفادة من وسائل جديدة في عملية القطاف، وتقليل الاعتماد على اليد العاملة المُستأجرة، ما يوسّع هامش الربح من بيع الكميات التي تزيد على احتياجاتها المنزلية.

في المقابل، أرخى ارتفاع أسعار المحروقات بظلاله على مختلف المناطق اللبنانية، إذ زادت كلفة نقل الزيتون من البستان إلى المعصرة، كما ارتفعت كلفة العصر، لأن المعاصر تعتمد أساساً على المولّدات الكهربائية التي تعمل بالديزل. فعلى سبيل المثال، حُدّدت كلفة عصر طن من الزيتون في البقاع الغربي بـ200 دولار، أي ما يعادل نحو 14 دولاراً للتنكة الواحدة من الزيت، فيما ارتفعت الكلفة في مناطق أخرى إلى 20 أو 25 دولاراً للتنكة الواحدة.

وبسبب تضاعف الكلفة على المزارعين، ارتفع سعر «التنكة» على المُستهلِك. فمثلاً، تراوح قيمة «تنكة» زيت الزيتون البكر الممتاز بين 170 دولاراً و200 دولار اليوم، علماً أنّ سعر «التنكة» عام 2025 كان يقارب 150 دولاراً، بحسب حطيط، الذي يشير إلى أن ارتفاع أسعار زيت الزيتون ظاهرة عالمية. ففي أوروبا، على سبيل المثال، ارتفعت أسعار زيت الزيتون بصورة كبيرة، وأصبح المستهلكون يواجهون كلفة أعلى لشراء «القنينة».
أمّا على الصعيد المحلي، فعلى الرغم من خسارة مساحات واسعة من بساتين الزيتون، يتمسّك حطيط بتقييم الموسم بأنه «جيد إلى متوسط»، إذ يُفترض أن يكون الإنتاج كافياً لتغطية الاستهلاك المحلي. لكنه يستدرك أن لبنان يصدّر زيت الزيتون أيضاً إلى عدد كبير من الدول، وإن كانت الكميات متفاوتة، ويجري جزء من هذا التصدير عبر مبادرات أغلبها فردية، ليصل إلى نحو 85 دولة.
وقد يؤثّر التصدير في الكميات المُتاحة في السوق المحلية، ما لم يُعوَّض ذلك بزيت مُستورد، الأمر الذي يستدعي التأكد من مصدر الزيت المعروض في السوق، وعدم تسويقه على أنه لبناني إذا كان مُستورداً.

 

هل خلّف القصف ترسّبات في الزيت؟

عند الحديث عن أثر القصف الإسرائيلي على ترسّبات زيت الزيتون، يدعو المهندس الزراعي حسين حطيط إلى توخّي الدقة مؤكداً أن نوعية الزيت كانت جيدة في المناطق التي تمكّن المزارعون من القطاف فيها هذا العام. فالقطاف المبكر نسبياً ينتج زيتاً أخضر وغنياً بالنكهة، فيما ينعكس غياب الإصابات الحشرية الكبيرة، ومنها تلك التي تسبّبها ذبابة الزيتون، إيجاباً على جودته.
أمّا إثبات وجود ترسّبات ناتجة من الأسلحة أو معادن ثقيلة، فيتطلب فحوصاً مخبرية متخصّصة. ويوضح حطيط أن ارتفاع «درجة الحموضة» أو «رقم البيروكسيد» لا يعني بالضرورة تلوّث الزيت بسبب الاعتداءات، إذ قد يرتبط بتأخر القطاف، كما حصل بعد عدوان عام 2024، أو بطريقة العصر والتخزين. ويشير إلى أنه أخضع عينات من زيت مُنتج في منطقة جنوبية تعرّضت للقصف لفحوص المعادن الثقيلة، وجاءت النتائج سلبية، من دون أن يعني ذلك إمكان تعميمها على سائر المناطق والعينات.
ويلفت حطيط إلى بعض الممارسات التي تسهم في تحسين جودة الزيت والحفاظ عليها، ومنها حماية أشجار الزيتون من الأمراض والآفات، ونقل الثمار في صناديق مُخصّصة بدلاً من الأكياس التي قد تؤدي إلى تخمّرها، مع الحرص على عصرها سريعاً في معصرة نظيفة.

 

اكتفاء ذاتي من زيت الزيتون

يُعدّ زيت الزيتون من السلع القليلة المُنتجة محلياً بشكل كامل في لبنان، إذ لا تزيد الكمية المُستوردة منها سنوياً عن 8 أطنان، بينما يُصدّر منها نحو 9 آلاف طن سنوياً، وحتى الكميّة المُستوردة مخصّصة لإنتاج أنواع محدّدة من الأطعمة الفاخرة، ولا تدخل في السوق الاستهلاكي الكبير للبلد. وبحسب أرقام الجمارك، أدخل تصدير زيت الزيتون 42 مليون دولار إلى السوق عام 2025، بعد تصدير 9 آلاف و333 طناً، وفي عام 2024 بلغت قيمة الأموال التي ضخّها زيت الزيتون في السوق 69 مليون دولار بتصدير 14 ألف طن، وهذا على الرغم من الحرب الإسرائيلية وتهجير سكان الجنوب، حيث توجد نسبة 29% من إجمالي مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في لبنان. ويُذكر هنا أنّ الاستهلاك المحلي من زيت الزيتون يبلغ نحو 13 ألف طن سنوياً، بحسب المجلس الدولي للزيتون، والذي يقدّر أنّ هذه الزراعة تسيطر على 62 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في لبنان، أي ما نسبته 24% من إجمالي الأراضي الزراعية، والتي تبلغ مساحتها نحو 271 ألف هكتار، ونسبة 46% من مساحة الزراعات الدائمة، وفقاً لأرقام المسح الزراعي لوزارة الزراعة.
ولكن، على عكس زيت الزيتون، لم يتحوّل «زيتون المائدة»، أي ثمار الزيتون المُخصّصة للأكل مباشرة إلى صناعة غذائية حقيقية، ولم يتحقّق منها اكتفاء ذاتي، إذ لا يزال لبنان يستورد سنوياً نحو 800 طن منها، وفقاً لأرقام الجمارك.