Beirut weather 20.21 ° C
تاريخ النشر March 14, 2026
A A A
من تفاهم نيسان إلى زمن الشروط … كيف تغيّر موقع لبنان بين الأمس واليوم
الكاتب: بقلم المحامي طنوس فرنجيه - موقع المرده

 

 

 

في نيسان من العام 1996 عاش لبنان واحدة من أكثر محطات تاريخه المعاصر قسوة، حين شنّت إسرائيل عدوانها الواسع المعروف باسم عملية عناقيد الغضب. كان الهدف المعلن وقف إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان، غير أن مسار العمليات العسكرية سرعان ما تحوّل إلى حملة قصف واسعة طالت القرى والبلدات الجنوبية والبقاع الغربي والضاحية الجنوبية لبيروت، وأدت إلى موجات نزوح كبيرة بين المدنيين.
بلغت المأساة ذروتها مع مجزرة قانا عندما استهدفت المدفعية الإسرائيلية موقعًا تابعًا ل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان في بلدة قانا حيث احتمى مئات المدنيين، فسقط أكثر من مئة ضحية في مشهد هزّ الضمير العالمي واعاد وضع لبنان في قلب الاهتمام الدولي.
لكن قراءة تلك المرحلة لا تكتمل عند حدود الحدث العسكري. فالأهم كان البيئة السياسية التي أحاطت به ففي تلك الفترة كانت سوريا لاعبًا إقليميًا رئيسيًا يمتلك القدرة على إدارة خطوط الاتصال مع القوى الدولية، وهو ما سمح بإطلاق مسار تفاوضي انتهى إلى تفاهم نيسان الذي وضع حدًا للعمليات العسكرية ورسم قواعد اشتباك حدّت من استهداف المدنيين.
غير أن العنصر اللبناني في تلك المعادلة لم يكن هامشيًا. ففي ذلك الوقت كان على رآس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري، الذي لم يكن مجرد رئيس حكومة تقليدي، بل شخصية سياسية ذات شبكة علاقات عربية ودولية واسعة مكنته من تحويل المأساة اللبنانية إلى قضية سياسية ضاغطة على المستوى الدولي.

استثمر الحريري تلك العلاقات في تحريك الاتصالات الدبلوماسية، مستندًا إلى موقع لبنان في معادلة إقليمية واضحة المعالم: سوريا تمسك بمفاتيح التوازن الأمني، ولبنان يملك قناة سياسية ودبلوماسية قادرة على مخاطبة العواصم المؤثرة. وبين هذين العاملين تشكل الضغط الذي سرّع الوصول إلى تفاهم يوقف العدوان.
أما اليوم، وبعد ما يقارب ثلاثة عقود، فإن الصورة تبدو مختلفة إلى حد بعيد.
ف سوريا التي كانت لاعبًا إقليميًا قادرًا على إدارة خطوط التفاوض والتأثير في مسار الأزمات، خرجت إلى حدّ كبير من موقعها السابق نتيجة التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة خلال العقد الماضي. ومع تراجع هذا الدور، فقدت الساحة اللبنانية أحد أبرز عناصر التوازن الإقليمي التي كانت تضبط إيقاع الأزمات.
وفي الداخل اللبناني نفسه تغيّرت المعادلة السياسية والاقتصادية بصورة جذرية. فالدولة التي كانت تحاول آنذاك إعادة بناء مؤسساتها بعد الحرب، أصبحت اليوم تواجه واحدة من أعقد الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخها الحديث، ما جعل موقع السلطة التنفيذية أكثر هشاشة في مواجهة الضغوط الخارجية.
من هنا تبدو المقارنة بين مرحلتين أكثر تعبيرًا من أي تحليل نظري. ففي زمن رفيق الحريري كان لبنان، رغم ضعفه البنيوي، قادرًا على استخدام شبكة علاقاته السياسية والاقتصادية لتخفيف وطأة الأزمات وفتح قنوات اتصال فاعلة مع المجتمع الدولي. أما اليوم، فإن موقع رئاسة الحكومة يبدو في كثير من الأحيان محكومًا بمنطق مختلف: السعي إلى تأمين الدعم الخارجي مقابل الالتزام بسلسلة من الشروط والإصلاحات التي باتت تشكّل الإطار الناظم للعلاقة مع المؤسسات والدول الداعمة.

وهكذا يتحوّل المشهد اللبناني من موقع الفاعل القادر على المبادرة السياسية، إلى موقع الساعي لتلبية متطلبات الدعم الخارجي في ظل أزمة داخلية خانقة.
إن استحضار تجربة عملية عناقيد الغضب اليوم يطرح سؤالًا استراتيجيًا يتجاوز حدود التاريخ: ماذا لو تكررت ظروف مواجهة واسعة على الساحة اللبنانية في ظل موازين القوى الحالية؟
في عام 1996 كانت الحرب محكومة بسقف سياسي واضح؛ فوجود سوريا لاعبًا إقليميًا فاعلًا، إلى جانب شبكة الاتصالات التي فعلها رفيق الحريري مع العواصم المؤثرة، سمح بوجود قناة سياسية قادرة على احتواء التصعيد عندما بلغ ذروته. أما اليوم، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا: تراجع الأدوار الإقليمية التقليدية، وتبدّل أولويات القوى الدولية، وانشغال المنطقة بسلسلة أزمات متداخلة.
.في مثل هذا الواقع، لا تبدو أي مواجهة محتملة محكومة بالضرورة بالسقوف نفسها التي عرفتها التسعينيات فغياب مركز إقليمي قادر على ضبط الإيقاع، وتراجع القدرة اللبنانية الرسمية على المبادرة السياسية، قد يجعل أي تصعيد مستقبلي أكثر قابلية للتحول إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية.
غير أن السؤال الأكثر حساسية يبقى: هل سيكتب الميدان العسكري وحده ملامح المرحلة المقبلة، أم أن مصير المنطقة ما زال مرهونًا بقرارات تُصاغ بعيدًا عن ساحات القتال، داخل مراكز القرار الإقليمية والدولية؟
بين هذين الاحتمالين يقف لبنان مرة أخرى على تخوم مرحلة دقيقة. فإذا كان التاريخ قد علّمنا أن الحروب في .هذه المنطقة كثيرًا ما تبدأ في الميدان، فإنه علّمنا أيضًا أن نهاياتها غالبًا ما تُرسم على طاولات السياسة
والسؤال المفتوح اليوم ليس فقط كيف يمكن تفادي مواجهة جديدة، بل من يملك القدرة على رسم حدودها إن وقعت.
وهكذا تبدو المفارقة التاريخية واضحة: في عام 1996 كان لبنان ساحة حرب، لكنه كان جزءًا من توازن إقليمي يفرض في النهاية لحظة توقف للنار. أما اليوم، فإن لبنان يقف في قلب منطقة أكثر اضطرابًا، حيث تتراجع آليات ضبط الصراع، ويتقدّم الميدان أحيانًا على السياسة… من دون ضمانة بأن السياسة ستلحو سريعًا كما حدث قبل ثلاثة عقود.