Beirut weather 15.21 ° C
تاريخ النشر March 12, 2026
A A A
من الجنوب إلى بيروت.. قراءة في أهداف التصعيد الإسرائيلي!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

يشهد لبنان تصعيدًا عسكريًا متسارعًا في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية التي توسّعت خلال اليومين الماضيين لتطال مناطق مدنية مكتظة، وصولًا إلى استهداف النازحين فجرا في منطقة الرملة البيضاء في قلب العاصمة بيروت، ما أدى إلى استشهاد سبعة أشخاص وجرح أكثر من عشرين آخرين، كما شهدت عرمون إعتداءات مماثلة.

ويأتي هذا التصعيد، وفق مراقبين، في سياق محاولة إسرائيلية لزيادة الضغط الميداني والسياسي بالتوازي مع التطورات العسكرية الأخيرة على الجبهة الشمالية.

شهدت الساعات الماضية تصاعدًا ملحوظًا في عمليات المقاومة التي أطلقت عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه شمال فلسطين المحتلة، بينها دفعات صاروخية كبيرة أعلن الإعلام الحربي في حزب الله أن إحداها بلغت نحو مئة صاروخ دفعة واحدة. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عددًا من هذه الصواريخ أصاب أهدافه، فيما ساهمت صواريخ أخرى في استنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.

ويبدو أن التصعيد الإسرائيلي يحمل جملة أهداف متداخلة تتجاوز البعد العسكري المباشر.

أول هذه الأهداف يتمثل في الضغط على المقاومة نفسها، إذ بات الهدف المعلن لإسرائيل إنهاء حزب الله عسكريًا وسياسيًا واجتماعيًا، ودفعه إلى تسليم سلاحه للدولة اللبنانية. إلا أن هذا الهدف، حتى الآن، يبدو بعيد المنال في ظل استمرار العمليات العسكرية على الجبهة الجنوبية وتصاعد المواجهات على خطوط التماس الأمامية.

أما الهدف الثاني، فيتصل بالضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة عبر استهداف البنى الاقتصادية والتجارية والإنتاجية والاجتماعية من الجنوب إلى البقاع فالضاحية الجنوبية. ففي حين تؤكد إسرائيل أنها تستهدف مواقع عسكرية تابعة للحزب، يرى متابعون أن طبيعة الضربات وآثارها الميدانية لا تعكس وجود مخازن أسلحة أو ذخائر، إذ لم تُسجل انفجارات ثانوية أو مشاهد مماثلة لما يُفترض أن يحدث عند قصف مراكز عسكرية، وهو ما دفع إلى اعتبار أن العديد من الأهداف كانت عبارة عن مبانٍ مدنية وسكنية.

الهدف الثالث يتمثل في توسيع نطاق الضغط النفسي والسياسي على اللبنانيين عمومًا، من خلال نقل الاعتداءات خارج مناطق المواجهة التقليدية، لتطال أحياء في قلب بيروت ومناطق سكنية وفنادق ومراكز نزوح، إضافة إلى الغارات التي استهدفت فجرًا منطقة عرمون، وذلك من أجل تأليب الرأي العام اللبناني على المقاومة ودفعه للتضييق على بيئتها النازحة.

وفي السياق نفسه، يبرز هدف رابع يتعلق بممارسة ضغط مباشر على الحكومة اللبنانية لدفعها نحو خطوات سياسية وأمنية تتصل بسلاح حزب الله.

ويشير مراقبون إلى أن هذا الضغط تزامن مع إجراءات رسمية شملت تحييد الجيش اللبناني عن المواجهات، ومنع أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة، إضافة إلى تكليف الجيش بملاحقة المسلحين. كما أثار إعلان رئيس الحكومة نواف سلام استعداد لبنان للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ضمن أي صيغة ممكنة، نقاشًا سياسيًا واسعًا في الداخل اللبناني.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، يلفت الانتباه أن العدوان دخل يومه العاشر من دون مبادرة لبنانية رسمية بطلب عقد جلسة عاجلة لمجلس الأمن الدولي أو تقديم شكوى رسمية بشأن الاعتداءات، ما دفع فرنسا إلى التحرك والدعوة لانعقاد المجلس. إلا أن جلسة مجلس الأمن التي إنعقدت أمس، وبعد ساعات من المداخلات الدولية، لم تفضِ إلى أي قرار أو صيغة عملية قادرة على وقف العمليات العسكرية أو الحد من التصعيد القائم.

في ظل هذه المعطيات، يبدو المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، مع استمرار المواجهة العسكرية وتزايد الضغوط السياسية والاجتماعية والإنسانية، وسط مخاوف من اتساع رقعة التصعيد وتحول المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة على لبنان والمنطقة!