Beirut weather 12.99 ° C
تاريخ النشر January 28, 2026
A A A
مناقشة الموازنة: شعبويّة وانتخابات وانقسام
الكاتب: طارق ترشيشي - الجمهورية

 

 

مناقشة موازنة 2026 التي بدأت في مجلس النواب، ليست هذه المرّة مجرد استحقاق دستوري روتيني، بل هي أشبه بمرآة تعكس حجم المأزق الذي تعيشه الدولة: أرقام تُناقَش بلا سياسات، ونفقات تُقرّ بلا رؤية، وخطابات تتقدّم فيها الحسابات الانتخابية على أي مقاربة إصلاحية جدّية. وهكذا بدت قاعة الجلسات النيابية العامة: واجب دستوري يُؤدّى بالحدّ الأدنى، فيما الأسئلة الجوهرية تُرحَّل مرّة جديدة.

من الناحية الدستورية، تشكّل الموازنة حجر الزاوية في النظام المالي، إذ يفترض أن تُقرّ قبل بدء السنة المالية، وأن تُرفق بقطع حساب عملاً بالمادة 87 من الدستور. غير أنّ لبنان اعتاد، منذ سنوات، التعامل مع هذا الاستحقاق على انّه إجراء شكلي لا أداة حكم. موازنة تُقرّ بلا حسابات نهائية، وبلا رقابة لاحقة، وبلا ربط بخطة تعافٍ أو بإصلاحات بنيوية.

 

موازنة 2026 لم تخرج عن هذا السياق. فهي أُعدّت في غياب أي رؤية اقتصادية شاملة، وكذلك في غياب المعالجة الجدّية المطلوبة لملفات الكهرباء، أو الإدارة العامة، أو النظام الضريبي. فهي عملياً، موازنة «إدارة أزمة»، لا موازنة دولة تسعى إلى الخروج منها.

 

وعلى المستوى التقني، تعتمد الموازنة تقديرات متواضعة للواردات، مقابل إنفاق اجتماعي يُطرح كشعار أكثر مما يُبنى كسياسة مستدامة. الضرائب والرسوم تُفرض على اقتصاد مُنهك، فيما يغيب أي توجّه فعلي لتحفيز الإنتاج أو استعادة الثقة. وهذا الواقع كان حاضراً في مداخلات عدد من النواب «المستقلين» و«التغييريين». النائب وضّاح الصادق رأى أنّ الموازنة تعيد إنتاج منطق تحميل الخسائر للمواطن، فيما رأى النائب ميشال دويهي أنّها تضمن استمرارية الدولة شكلاً، لا وظيفةً وقدرة.

 

وعلى المستوى السياسي، ليس خافياً أنّ النقاش النيابي يدور تحت ظل الانتخابات النيابية المقبلة. كثيرٌ من المداخلات النيابية حمل طابعاً خطابياً موجّهاً إلى «القواعد الشعبية». عناوين الرواتب، المتقاعدين، والعسكريين تحضر كلها بقوة، لكن غالباً بلا إجابات عن مصادر التمويل أو كلفة القرارات.

 

النائب أشرف ريفي ركّز على حقوق العسكريين بلغة حادّة، فيما حاول النائب سجيع عطية إدراج الموازنة بين العدالة الاجتماعية والتحذير من قرارات غير ممولة. أما النائب فراس حمدان فاعتبر أنّ الموازنة تحوّلت منبراً شعبوياً، يعكس أزمة ثقة عميقة بين المواطنين والسلطة.

 

اما الكتل التقليدية، فتعاملت مع الموازنة ببراغماتية واضحة. عضو كتلة «التنمية والتحرير» النائب علي حسن خليل، عبّر عن هذا التوجّه باعتبار الموازنة ضرورة لمنع الفراغ المالي، فيما شدّد عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب إيهاب حمادة على عدم تحويل النقاش المالي ساحة تصفية حسابات سياسية.

 

في المقابل، رفع نواب حزب «القوات اللبنانية» سقف الاعتراض السياسي. فالنائب جورج عدوان اعتبر أنّ الأزمة لا تكمن في الأرقام، بل في غياب الدولة القادرة على إدارة مواردها وفرض سيادتها.

 

وعلى رغم من غيابه عن جدول الأعمال، ظلّ ملف حصرية السلاح بيد الدولة حاضراً بين السطور. النائب ملحم خلف لمح إلى أنّ أي نقاش مالي لا يمكن فصله عن سؤال الدولة المكتملة الصلاحيات. في المقابل، شدّد عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله على الفصل بين الموازنة والملفات الاستراتيجية، معتبراً أنّ إدخالها في النقاش المالي هو استثمار سياسي لا أكثر.

 

إلى هذا المشهد، انضمّ سجال إضافي فرض نفسه على هامش الجلسة، على خلفية موقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم خلال المهرجان الذي أقامه الحزب تضامناً مع إيران. فهذا الموقف، وإن لم يكن مرتبطاً مباشرة ببنود الموازنة، سرعان ما تحوّل مادة نقاش نيابي عكست هشاشة الفصل بين الداخل والخارج. إذ اعترض عدد من النواب على ما اعتبروه «زجّ لبنان في اصطفافات إقليمية لا تخدم مصلحته الاقتصادية»، معتبرين أنّ مواقف من هذا النوع تُضعف موقع الدولة وتزيد من صعوبة استعادة الثقة العربية والدولية، خصوصاً في لحظة يناقَش فيها قانون مالي يُفترض أن يشكّل مدخلاً للتعافي. وقد تناولت هذه المداخلات مسألة التضامن مع إيران من زاوية سياسية ـ اعتراضية، لا توصيفية، معتبرة أنّ المشكلة تكمن في الخطاب والموقف، لا في حجم التضامن أو طبيعته.

 

وفي المقابل، رفض نواب «حزب الله» وحلفاؤه هذا الربط، مؤكّدين أنّ موقف الشيخ قاسم يندرج في إطار تضامن سياسي مبدئي، ولا يعني تحميل لبنان أعباء إضافية أو تغيير أولوياته الداخلية. ورأوا أنّ استحضار هذا الموقف في نقاش مشروع قانون الموازنة يشكّل محاولة لتسييس هذا الاستحقاق المالي، واستثمار المناخ الإقليمي لأهداف داخلية.

 

في النهاية، تظهّرت مناقشة موازنة 2026 في مجلس النواب، أنّ لبنان لا يناقش أرقاماً فقط، بل يناقش هوية دولة ودورها. موازنة ستُقرّ في النهاية، لكنها لا تحسم الخلافات، ولا تجيب عن الأسئلة الكبرى: مَن يقرّر؟ ولمصلحة أي دولة؟

 

بين شعبوية انتخابية، وانقسام سياسي عميق، واصطفافات إقليمية تتسلّل إلى أدقّ التفاصيل، بدت الموازنة انعكاساً دقيقاً لدولة مؤجَّلة، وبرلمان يدرك حجم الأزمة، لكنه لا يزال عاجزاً عن الخروج من مدارها.

 

وفي المحصلة، تبدو موازنة 2026 اختباراً سياسياً أكثر منها اختباراً مالياً. هي مرآة للمرحلة: دولة عاجزة عن التخطيط، طبقة سياسية مأزومة تبحث عن إعادة إنتاج نفسها انتخابياً، وانقسام عميق حول مفهوم الدولة ودورها.

 

وبينما يُنتظر أن تُقرّ الموازنة في نهاية المطاف، فإنّ النقاشات التي رافقتها تؤكّد أنّ المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأنّ صناديق الاقتراع في أيار المقبل ستكون الساحة الأوسع لتصفية الحسابات التي ضاق بها منبر المجلس النيابي. فموازنة هذا الزمن ليست سوى فصل إضافي من كتاب الانهيار المفتوح. أرقامٌ تُناقَش بلا سياسات، ومواد تُقرّ بلا رؤية، ونواب يخاطبون جمهورهم الانتخابي أكثر مما يخاطبون ضمير الدولة. وهكذا تبدو جلسات مناقشتها استحقاقاً دستورياً يُؤدّى بالحدّ الأدنى، فيما الأسئلة الكبرى تُرحَّل مجدداً.