Beirut weather 13.54 ° C
تاريخ النشر January 29, 2026
A A A
مناقشة الموازنة بالصراخ أم بعقل الدولة والإصلاح؟!
الكاتب: صلاح سلام - اللواء

لليوم الثالث على التوالي، تبدو جلسات مناقشة الموازنة النيابية وكأنها ماضية في الاتجاه الخاطئ نفسه، حيث تطغى الخطابات الإنشائية والمزايدات الشعبوية على النقاش الجدّي، ويتحوّل المجلس النيابي، بفعل النقل المباشر، إلى ما يشبه منبراً انتخابياً مفتوحاً أكثر منه سلطة دستورية تناقش أخطر قانون مالي في الدولة. هكذا تضيع الموازنة، بما تمثّله من أداة إصلاح أو تدبير، في زحمة شعارات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

إن مناقشة الموازنة ليست ترفاً سياسياً، ولا مناسبة لاستعراض البلاغة أو تسجيل النقاط، بل هي لحظة مفصلية يفترض أن تُقارب فيها أرقام الدولة بحدّها الأقصى من الجدية والمسؤولية. فالموازنة تعكس الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وتحدد مَنْ يدفع الثمن ومَنْ يُحمى، ومن يُهمَّش ومن يُنصف. لذلك، فإن أي نقاش لا ينطلق من تشريح الأرقام، وتحليل الإيرادات والنفقات، وقياس أثرها الفعلي على الاقتصاد والمجتمع، هو نقاش عقيم، مهما ارتفع منسوب الصوت أو التصفيق.
المفارقة المؤلمة أن قِلَّة قليلة فقط من النواب تعاملت مع الموازنة بوصفها وثيقة مالية قابلة للنقد والتعديل، فتوقفت عند بنودها، وناقشت فرضياتها، وربطت أرقامها بواقع الناس، لا سيما حشود المحتجين من موظفي القطاع العام والمعلمين والعسكريين المتقاعدين، الذين يطالبون بحقوق بديهية بعد سنوات من التآكل المعيشي والإجحاف. هؤلاء النواب أثبتوا أن السياسة يمكن أن تكون عملاً إصلاحياً مسؤولاً، لا مجرد خطابة عشوائية ولهجة إنفعالية.
في المقابل، كشفت كلمات العديد من النواب عن سطحية مقلقة، وعن انفصال شبه كامل عن منطق المسؤولية. شعارات عامة عن “حقوق الناس” من دون أي مقترح عملي، هجوم مجاني من دون بدائل، وتهرّب واضح من الخوض في جوهر الأزمة المالية، وكأن المطلوب فقط تسجيل موقف شعبوي للاستهلاك الإعلامي. هذا النوع من الخطاب لا يسيء فقط إلى النقاش العام، بل يساهم في تعميق فقدان الثقة بين المواطنين ومؤسساتهم.
الخروج من دوامة الأزمات الراهنة لا يتم بالصراخ ولا بالمزايدة، بل بالعمل الهادئ والدقيق على إصلاح الخلل البنيوي في المالية العامة. المطلوب نقاش إيجابي، نقدي، ومسؤول، يعترف بحجم الانهيار، ويقترح معالجات واقعية، ولو كانت غير شعبية ومؤلمة، بدلاً من الهروب إلى الأمام.
الموازنة يجب أن تكون مدخلاً للإنقاذ، لا أداة إضافية اللهدر والانهيار، لذلك يجب مناقشتها بعقل الدولة والإصلاح، لا بصراخ الخطاب وعقلية “سوق عكاظ”!