Beirut weather 12.43 ° C
تاريخ النشر February 28, 2026
A A A
مفاوضات فيينا تستحق كل هذا التهديد
الكاتب: ناصر قنديل

كتب ناصر قنديل في البناء 

– الضجيج يملأ المشهد: تفاؤل حذر يتحدث عن تقدم في المسار السياسي، كما تقول تصريحات لافتة لوزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي بعد لقائه مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس وقد ذهب إلى واشنطن خصيصاً للقائه، وهو يقول بعد اللقاء إن مسار السلام يبدو بين أيدينا، وبالمقابل تصريحات دي فانس نفسه عن ضربة لا تتحوّل حرباً كبرى ومديدة، وكلام ترامب عن عدم رضاه عن أداء إيران التفاوضي وقوله إنه لم يتخذ القرار بعد ويمنح التفاوض فرصة، ثم الوقائع عن رعايا دول عدة يغادرون المنطقة، وشركات طيران توقف رحلاتها، وأسلحة نوعية تتدفق إلى المنطقة، وكله يقول إننا ذاهبون إلى الحرب، والناس تائهة بين التفاؤل بالمسار التفاوضي ومناخ حرب مهيمن يوحي بأن المواجهة أقرب من الاتفاق.

 

– الفريق الأول يستند إلى الإشارات الدبلوماسية المتبادلة، والفريق الثاني يقرأ الحشود العسكرية والتصريحات النارية. كلاهما على حق جزئياً. لأن القرار النهائي لم يتخذ بعد وهو لا ينتظر حسابات الحرب وفرص شن ضربات أميركية لا تتحوّل إلى حرب طويلة، أو حساب التكلفة والعائد المتوقع للحرب، لكن أيضاً ينتظر القرار جواباً يأتي من مكان آخر، فهناك عنصر ثالث يجري التعامل معه بوصفه تفصيلاً ثانوياً، بينما هو في الحقيقة جوهر اللحظة: جلسة الاثنين المسمّاة “تقنية”. هذه الجلسة هي الأهم لأنها ستجيب على الأسئلة التي لم تُحسم سياسياً. هل توجد ترتيبات دقيقة في نسبة التخصيب وحجم المخزون تضمن عملياً عدم التحول إلى برنامج عسكري؟ أين تقع مناطق خطر التسرّب نحو الاستخدام العسكري، وكيف يمكن سدّها عبر منظومة رقابة قابلة للتحقق؟ وهل تمسّ هذه الشروط مفهوم إيران للسيادة بحيث ترفضها باعتبارها اختراقاً أمنياً؟ ثم السؤال المالي: هل يمكن الوصول إلى نقطة توازن في رفع العقوبات تريح الاقتصاد الإيراني دون أن تفقد واشنطن القدرة على مواصلة الضغط في ملف الصواريخ وحلفاء إيران الإقليميين؟ وهل إلغاء العقوبات المرتبطة بتصدير النفط، والمصرف المركزي، والعودة إلى نظام “سويفت” هو جوهر ما تريده طهران مقابل أي اتفاق، لتتعايش بعده مع عقوبات أخرى تستهدف كيانات وأفراداً؟ يوم الاثنين سيجتمع التقنيون ليقدموا للقادة أجوبة رقمية واضحة على هذه الأسئلة. وحتى تتضح، سيبقى الضغط قائماً، وسيظلّ الإيحاء بجدية الحرب جزءاً من وظيفة التفاوض، وإذا توصلوا إلى الأجوبة التقنية سوف تكون مهمة جلسة التفاوض السياسية القادمة رسم جدول زمني صعب ومعقد لمفهوم خطوة مقابل خطوة وشدّ وجذب حول الأولويات، وسوف يستمرّ التصعيد حتى ذلك، والتصعيد تفاوضيّ، لكنه أيضاً استعداد للحرب إذا فشلت محاولات التوصل إلى أجوبة مقبولة من الطرفين.

 

– في واشنطن، تعكس التحليلات المنشورة في مراكز مثل بروكينغز ومجلس العلاقات الخارجية ومجلة فورين أفيرز أن الهدف ليس “اتفاقاً مثالياً”، بل إطالة زمن الاختراق ومنع التحوّل العسكري. سوزان مالوني تركز على إدارة المخاطر النووية بدل إنهائها بالكامل، معتبرة أن الواقعية تفرض صفقة قابلة للتطبيق لا شعارات قصوى. فالي نصر يكتب في “فورين أفيرز” أن العبرة ليست في الرقم المجرد للتخصيب، بل في بناء منظومة تحقق تقلص الشك الاستراتيجي. ريتشارد هاس يشدّد على أن البديل عن اتفاق ناقص قد يكون تصعيداً غير محسوب. وفي “فورين بوليسي”، يرى ستيفن والت أن ربط الملف النووي بكل الملفات الإقليمية يجعل الاتفاق مستحيلاً عملياً، داعياً إلى فصل المسارات إذا كان الهدف منع الحرب. في المقابل، يحذّر بعض المحللين من أن رفع العقوبات الجوهرية – النفط، المصرف المركزي، وسويفت – سيضعف أوراق الضغط في الملفات الأخرى. كولين كال يشرح في “فورين أفيرز” أن الردع والدبلوماسية يعملان معاً، ما يفسّر التصعيد العسكري بوصفه أداة لتحسين الشروط لا إعلان حرب. هكذا يفكر الأميركيون: اتفاق يطيل زمن الاختراق، مع إبقاء ما يكفي من أدوات الضغط لما بعد النووي.

 

– أما في طهران، فتبدو المقاربة مختلفة لكنها براغماتية. تحليلات منشورة في مؤسسة كارنيغي تنقل عن كريم سجادبور أن أي اتفاق لا يمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً ملموساً لن يصمد داخلياً. الأولوية الإيرانية ليست في صياغة تقنية باردة، بل في العائد الاقتصادي الفعلي: تدفق عائدات النفط، حرية التحويلات، وعودة المصارف إلى النظام المالي العالمي. في الوقت ذاته، تنقل مقالات فالي نصر أن طهران تنظر إلى أي منظومة رقابة واسعة كمسألة سيادة وأمن قومي، وسوف تقاوم ما تعتبره اختراقاً دائماً لمنشآتها الحساسة. لذلك تسعى إيران إلى معادلة دقيقة: التزامات تقنية يمكن الدفاع عنها داخلياً، مقابل رفع عقوبات يمكّنها من التعايش مع ما تبقى من قيود تستهدف كيانات وأفراداً لا الاقتصاد ككل.

 

– الاثنين ليس موعداً ثانوياً بل لحظة اختبار حقيقية. إن وُجدت معادلة تقنية تضمن منع الانزلاق العسكري وتمنح إيران مكسباً اقتصادياً كافياً دون أن تُفرغ الضغط الأميركي من مضمونه، فقد يولد اتفاق قابل للحياة. وإن تعذّر ذلك، سيبقى الضجيج سيد المشهد، وسيظل التصعيد وظيفة تفاوضية بانتظار جولة أخرى. لننتظر الاثنين.