Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر October 6, 2026
A A A
مفاوضات فلوريدا.. بدل عن ضائع!
الكاتب: غسان ريفي

كتب غسان ريفي في “سفير الشمال”:

تتجه الأنظار إلى فلوريدا في 20 تشرين الأول الجاري، حيث يفترض أن تُعقد جولة تفاوضية عسكرية بين لبنان وإسرائيل، كبدل عن ضائع مع تجميد المفاوضات السياسية في روما، في محاولة لإبقاء مسار التفاوض قائماً، ولو بالحد الأدنى.

لكن توقيت هذه الجولة يطرح أكثر من علامة استفهام، فهي تأتي قبل أسبوع واحد من الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل استمرار العدوان الصهيوني على الجنوب اللبناني، وتثبيت الاحتلال ومواصلة أعمال القضم لتوسيع رقعته، فيما لا يقيم العدو أي وزن لتحركات السلطة اللبنانية تجاه الجنوب، والتي تمثلت مؤخراً في زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية، حيث سارع العدو إلى توسيع اعتداءاته، في رسالة واضحة تؤكد المضي في العدوان وضرب “اتفاق الإطار” عرض الحائط.

يفترض أن يحمل الوفد العسكري اللبناني إلى المفاوضات مطالب واضحة، في مقدمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتنفيذ المناطق التجريبية، وتشكيل لجنة التحقق.

لكن المعطيات تشير إلى سعي أميركي وإسرائيلي على حد سواء لاستغلال اجتماع فلوريدا للدفع نحو تشكيل لجان عسكرية مشتركة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، وهو ما ترفضه المؤسسة العسكرية اللبنانية.

ومن هنا، يمكن فهم جانب من الضغوط الأميركية والإسرائيلية الرافضة لتمديد مهمة قوات اليونيفيل، ووضع العراقيل أمام حضور قوات دولية بديلة تحت راية الأمم المتحدة، بما يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة في الجنوب، ويضع الجيش اللبناني أمام واقع لا يبدو مستعداً للقبول به.

ويبدو أن اللقاء المفترض في فلوريدا هو، في جانب أساسي منه، بمثابة شراء وقت من أميركا لإسرائيل، فالمواقف التي صدرت خلال الفترة الماضية لا توحي بإمكانية الوصول إلى صيغة توافقية، وما لم يمنحه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للبنان قبل أشهر، لن يقدمه قبل أسبوع من موعد الانتخابات الإسرائيلية.

بل على العكس، فإن نتنياهو قد يجد في ذكرى السابع من أكتوبر فرصة للتصعيد وممارسة المزيد من العدوانية ضد لبنان، بهدف استمالة المجتمع الإسرائيلي وتقديم المزيد من الإنجازات في هذا الإطار.

ولا يبدو مستبعداً، في حال وجد نتنياهو أن نتائج الانتخابات لا تصب في مصلحته، أن يجدد العدوان على لبنان، وأن يستخدم صلاحياته لتأجيل الانتخابات لمدة شهرين. وإذا خاض الانتخابات وخسر، فقد يلجأ في الفترة المتبقية له إلى إشعال الحرب، في محاولة لقلب المعادلة وإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني لمصلحته للهروب من المحاسبة.

أما إذا فاز في الانتخابات، فإنه قد يتحرر من الضغط الأميركي الذي يرسم له سقفاً عسكرياً، ويتجه نحو مزيد من الاعتداءات، بعدما يكون قد حصل على هامش أوسع للمناورة.

في المقابل، تبدو الإدارة الأميركية معنية بإبقاء صورة التفاوض قائمة، خصوصاً أن جولة فلوريدا يمكن أن تقدم للرئيس دونالد ترامب ما يحتاج إليه في الداخل الأميركي، لجهة الإيحاء بأن مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل مستمر، وأن واشنطن ما زالت تمسك بخيوط الحل، وذلك قبل الانتخابات النصفية المقررة في الثالث من تشرين الثاني المقبل.

من هنا، قد تدخل جولة فلوريدا في إطار «لزوم ما لا يلزم»، كونها لن تحقق مطالب لبنان، بقدر ما ستؤدي وظيفة سياسية وانتخابية تبقي المسار التفاوضي في الواجهة الأميركية، وتعطي نتنياهو دفعة قبل الانتخابات.

وبينما ينشغل لبنان بانتظار ما قد تحمله فلوريدا، يبقى الاحتلال على الأرض، والاعتداءات مستمرة، والمناطق تُقضم، و”اتفاق الإطار” يزداد ابتعاداً عن التنفيذ.

وعليه، فإن السؤال الحقيقي ليس ماذا ستنتج جولة فلوريدا، بل من المستفيد منها؟ فالمؤشرات حتى الآن توحي بأن المستفيد الأول هو إسرائيل، فيما يبقى لبنان أمام تفاوض لا يوقف العدوان، ولا ينهي الاحتلال، ولا يفتح الطريق أمام الجولة التاسعة من المفاوضات السياسية.