Beirut weather 23.54 ° C
تاريخ النشر April 14, 2026
A A A
مفاوضات غير متكافئة: لبنان بلا عناصر قوة وإسرائيل تضغط بالنار!..
الكاتب: غسان ريفي - سفير الشمال

 

 

تنطلق المفاوضات التمهيدية اللبنانية الإسرائيلية اليوم في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، وفي ظل تقاطع حاد بين الميدان والسياسة، وبين واقع النار الصهيونية المفتوحة ومحاولات الإيحاء بنتائج تفاوضية تبدو في ظاهرها مخرجًا للأزمة، لكنها في جوهرها محكومة بشروط غير متكافئة وسقوف متباعدة إلى حدود الاستحالة.

 

يدخل لبنان الرسمي جلسة الثلاثاء ممثلا بسفيرته في واشنطن ندى حمادة معوض، انطلاقًا من أولوية وقف إطلاق النار، باعتباره المدخل الطبيعي لأي بحث سياسي لاحق.

 

 

في المقابل، تدفع إسرائيل عبر سفيرها يحيئيل ليتر نحو رفع سقف مطالبها إلى حد يتجاوز مسألة التهدئة إلى فرض وقائع استراتيجية، في مقدمتها نزع سلاح حزب الله وفتح الباب أمام نمط جديد من العلاقات “الطبيعية”، وهي شروط تدرك تل أبيب قبل غيرها أن الدولة اللبنانية غير قادرة، لا سياسيًا ولا ميدانيًا، على تلبيتها.

 

 

 

كل التجارب اللبنانية السابقة مع العدو الإسرائيلي من مفاوضات مباشرة وغير مباشرة واتفاقات لوقف إطلاق النار وتفاهمات لم تُنتج حلولا مستدامة، كونها لم تُترجم عمليًا، في ظل تهرّب العدو من الالتزام بتنفيذ بنودها.

 

ولعل أكثر هذه النماذج غطرسة هو اتفاق وقف إطلاق النار في 2024، والذي كشف بوضوح عقم الرهان على الضمانات الدولية لا سيما الأميركية والفرنسية.

 

التزمت الدولة اللبنانية بمندرجات هذا الاتفاق بالكامل، وقدّمت تنازلات ملموسة، فيما لم تقم إسرائيل بأي خطوة إيجابية، على مرأى من الراعيين الأميركي والفرنسي، ما يطرح سؤالًا جوهريًا هو: ما قيمة التفاوض إذا كان أحد طرفيه لا يرى نفسه ملزمًا بأي اتفاق؟.

 

 

وفي حين يسعى الجانب الإسرائيلي إلى استثمار تفوقه الميداني، سواء عبر التقدم الحدودي أو الضغط العسكري والنفسي على البيئة اللبنانية، يدخل الوفد اللبناني بحد أدنى من عناصر القوة، فضلا عن أن السلطة تفاوض على ملفات تتصل مباشرة بالمقاومة التي ترفض أصل المسار التفاوضي وتؤكد استمرارها في القتال.

 

 

 

هذا التباين الداخلي لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع نفسه، فإسرائيل لا تكتفي بطرح شروط سياسية، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الواقع اللبناني من الداخل، عبر دفع الدولة إلى مواجهة المقاومة، بما يحمله ذلك من مخاطر انزلاق نحو فتنة داخلية لطالما سعى العدو إليها، ليتمكن من تنفيذ مخططاته.

 

من هنا، فإن مطلب إسرائيل نزع سلاح حزب الله لا يُقرأ فقط كشرط تفاوضي، بل كمحاولة للتدخل في إعادة رسم التوازنات الداخلية اللبنانية.

 

في المقابل، يشكّل صمود المقاومة في الميدان، بمعزل عن مستوى التنسيق مع الدولة، عنصر القوة الوحيد القابل للاستثمار التفاوضي.

 

 

والتجارب تثبت أن ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه في الحرب، لا يمكن أن تنتزعه على طاولة المفاوضات، إلا إذا تبدلت موازين القوة أو تبدد عنصر الصمود.

 

في غضون ذلك، تبدو أميركا هي العنصر الأكثر تأثيرًا في هذه المفاوضات، إلا أن المؤشرات الحالية لا توحي بإرادة ضغط جدية على إسرائيل، بل على العكس، فإن واشنطن تتعامل مع التفاوض كأداة لسحب ورقة لبنان من إيران وفصل ملفه عن مباحثات باكستان التي فشلت جولتها الأولى لكنها لا تزال قائمة وقد تُستأنف في أي وقت.

 

أمام هذا المشهد، تبدو المفاوضات أقرب إلى دائرة مغلقة، فإسرائيل تضغط بالنار، ولبنان الرسمي يفتقر إلى أوراق القوة، والمقاومة خارج المسار التفاوضي لكنها حاضرة في قلب نتائجه.

 

وفي هذا الإطار يمكن القول إن الموقف الأميركي وحده قادر على إحداث تغيير حقيقي من خلال فرض وقف إطلاق نار ملزم على إسرائيل، ما يساهم في فتح ثغرة في الجدار يمكن النفاذ منها إلى جلسات تفاوضية إضافية.

 

 

لا شك في أن الرهان القائم على التفاوض المباشر، في ظل هذه المعطيات، يعتبر محكوما بالفشل المسبق. ليس لأن التفاوض خيار خاطئ بحد ذاته، بل لأن شروطه الموضوعية غير متوافرة، ولأن ميزان القوى لا يسمح بإنتاج تسوية عادلة أو حتى مستقرة. وعليه، فإن أي مسار تفاوضي لا ينطلق من إعادة تصحيح هذا الخلل البنيوي، سيبقى مجرد امتداد للمعركة بوسائل أخرى لا طريقا فعليا نحو الحل.