Beirut weather 32 ° C
تاريخ النشر August 5, 2026
A A A
مفاوضات روما 2.. هل تراجعت أميركا عن دور الضامن؟

كتب غسان ريفي:

تشير الوقائع الميدانية في جنوب لبنان إلى أن موجة التصعيد التي تشهدها العديد من البلدات والقرى من تفجير وتدمير وتجريف، انطلقت مع انتهاء اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وكأن الأخير حصل على ضوء أخضر لاستكمال مخططاته التي سبق أن أعلن عنها مراراً، والتي يواصل وزراؤه التلويح بها عبر التأكيد على استمرار الاعتداءات، وعدم الانسحاب، ومنع الأهالي من العودة إلى قراهم.

وجاء البيان الذي نشره السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى عشية مفاوضات “روما 2″، والذي أكد فيه أن “هناك فرقاً كبيراً بين صياغة اتفاق على الورق وتنفيذه بصورة مسؤولة”، ليعكس هذا الواقع إلى حد بعيد، ويوحي بأن الولايات المتحدة تتجه نحو التخفف من دور الضامن لتنفيذ إسرائيل بنود اتفاق الإطار، والاكتفاء بدور الراعي الذي يدير المفاوضات بما يحقق المصالح الإسرائيلية على حساب لبنان.

ولعل صمت الراعي الأميركي إزاء تمادي الاحتلال في انتهاك الاتفاق، وذهابه نحو تدمير ممنهج للقرى والبلدات الجنوبية، وصولاً إلى الإعلان الإسرائيلي عن محو قرى بأكملها ومنع سكانها من العودة إليها، والتمسك إلى أقصى الحدود بالمنطقة الأمنية، يشكل ترجمة عملية للتوجه الأميركي القائم على توفير الدعم المطلق لإسرائيل وتغطية سياساتها العدوانية.

ما يجري في الجنوب، على الرغم من انطلاق الجولة الثانية من مفاوضات روما، وهي السابعة منذ بدء المفاوضات المباشرة في واشنطن، يؤكد بما لا يقبل الشك أن السلوك الإسرائيلي وما يرافقه من انتهاكات وخروقات لا يعكس أي نية حقيقية للانسحاب أو حتى الاكتفاء بما يسمى “بالمناطق التجريبية”.

فكل المؤشرات تدل على أن الهدف الأساسي يتمثل في دفع الجيش اللبناني إلى تأمين المنطقة المحاذية للشريط المحتل، ونزع سلاح المقاومة منها، بما يضمن منع أي عمل عسكري ضد القوات الإسرائيلية في المناطق التي تحتلها، ويمنحها في الوقت نفسه القدرة على التوسع أو الاجتياح متى أرادت ومن دون مواجهة تذكر.

وفي ضوء ذلك، تبدو مفاوضات واشنطن، ومن بعدها جلستا روما، بما تضمنته من مطالب لبنانية قوبلت برفض إسرائيلي متكرر تحت ذرائع مختلفة، وكأنها تدخل في إطار إدارة الوقت لا أكثر، بانتظار إنجاز الاستحقاقين الانتخابيين الأميركي والإسرائيلي.

وهذان الاستحقاقان يضعان ترامب ونتنياهو على ضفتين متناقضتين: فالأول يريد خوض الانتخابات تحت عنوان صناعة السلام والتسويات في المنطقة، فيما يسعى الثاني إلى خوضها على وقع الدماء والدمار في لبنان وسوريا وفلسطين.

ومن هنا، لا يبدو مستبعداً أن يكون اللقاء الأخير بين ترامب ونتنياهو قد أفضى إلى تفاهم غير معلن يقوم على ابتعاد نتنياهو عن الملف الإيراني، مقابل إطلاق يده في لبنان وسوريا وفلسطين، ولا سيما في ظل المصالح المشتركة التي تجمع الرجلين، سواء لجهة حاجة ترامب إلى دعم اللوبي الصهيوني، أو لجهة استمرار الدعم الأميركي السياسي والعسكري لحكومة الاحتلال.

وتعزز هذا الاستنتاج حقيقة أن مختلف الاتفاقات المطروحة في المنطقة لم تنجح حتى الآن في تحقيق أهدافها. فغزة لم يشفع لها أي اتفاق أو مبادرة، ولا حتى “مجلس السلام” الذي يرأسه ترامب، في وقف العدوان المتواصل عليها. كما أن التفاهمات التي أبدت السلطة في سوريا استعدادها للسير بها لم تؤد إلى نتائج ملموسة، وكذلك اتفاق الإطار الخاص بلبنان الذي ما يزال حبراً على ورق، حتى بات معظم المراقبين يدركون أن فرص تحوله إلى نتائج إيجابية تكاد تكون معدومة.

وربما الاستثناء الوحيد لهذا التقدير يتمثل في السلطة اللبنانية ورئيس حكومتها نواف سلام، الذي يواصل إطلاق المواقف التصعيدية في الداخل، فيما يلتزم صمتاً كاملاً حيال الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة، واستمرارها بهذا الشكل الوحشي، من دون أن يقترن ذلك بأي خطوات عملية أو مواقف تتناسب مع حجم ما يتعرض له لبنان وجنوبه من انتهاكات يومية.