Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر October 2, 2026
A A A
مصيرٌ مشترك: على المصرفيين والمودعين الاتحاد لاستعادة الودائع

كتب د. صالح منير النصولي المدير السابق لصندوق النقد الدولي

 

 

التحرّك الأخير لمودعي المصارف اللبنانية، والمتقاعدين من الجيش اللبناني، وأساتذة الجامعات، مترافقاً مع تداعيات نزوح الملايين جرّاء الهجمات على جنوب لبنان والدمار الذي لحق به، يثير التساؤل عمّا إذا كانت المعاناة الاقتصادية للغالبية العظمى من الشعب اللبناني تقترب من نقطة التحوّل، في وقت تقدّر الأمم المتحدة أنّ أكثر من 80% من السكان قد أصبحوا تحت خط الفقر. ويذكّر هذا الوضع بالظروف الاقتصادية التي دفعت بائعاً متجولاً يُدعى محمد البوعزيزي في تونس عام 2010، إلى إضرام النار بنفسه، مما أشعل شرارة الربيع العربي الذي أدّى إلى تغييرات سياسية كبرى في تونس وفي بلدان عربية أخرى. إنّها جرس إنذار لا ينبغي للبنان أن يتجاهله . العربوشعوب الشرق الأوسط

 

والواقع، أنّ لبنان يواجه أزمة وجودية وإنسانية واقتصادية متعددة الأوجه – وهي أزمة تعكس الانقسامات السياسية في لبنان وسوء الإدارة الاقتصادية الذي ميّز العديد من الحكومات المتعاقبة.

 

 

 

ومنذ عام 2019، أدّى الانهيار المالي في لبنان إلى شلّ القطاع المصرفي، وتجميد مدخرات المودعين، وتحطيم الثقة بالنظام الاقتصادي في البلاد. وبعد نحو 7 سنوات، لا يزال الجدل مستمراً حول من يجب أن يتحمّل الخسائر وكيف ينبغي سداد الودائع. ويحاول البعض وضع المودعين في مواجهة المصرفيين، وتصوير أحد الطرفين على أنّه الضحية والآخر على أنّه الجاني. لكن الحقيقة، أنّ مصير الطرفين مرتبط ارتباطاً وثيقاً لا ينفصم. إنّ إعادة حق الوصول الكامل والفوري إلى الودائع ليست فقط في مصلحة المودعين، بل هي أيضاً ضرورية لبقاء النظام المصرفي. ويتوقف تعافي الاقتصاد بصورة حاسمة على استعادة نظام مصرفي فعّال، كي يتمكن من أداء دوره الأساسي في الوساطة المالية. سياسة

 

 

 

لذلك، هناك حاجة ملحّة لإعداد وإطلاق برنامج شامل للإصلاحات الاقتصادية الكلية والهيكلية يعيد الثقة بالحكومة وبالقطاع المصرفي. ويمكن أن يُعدّ هذا البرنامج الفريق الاقتصادي الحكومي المسؤول، بالتعاون مع المصرف المركزي، حتى في الوقت الذي تتولّى فيه القوى الأمنية معالجة القضايا الأمنية.

 

لا يجب للقضايا الأمنية والانقسامات السياسية أن تكون سبباً للالتهاء. وإضافة إلى ذلك، يجب ترك مسألة المساءلة عن المخالفات التي ساهمت في الأزمة أو فاقمتها للقضاء، وألّا تصبح عقبة أمام إطلاق الإصلاحات المطلوبة .

 

 

 

لقد أُثير جدل حاد حول سبب عدم توافر السيولة للنظام المصرفي، ما أدّى إلى ظهور عدد لا يُحصى من نظريات المؤامرة. ومن الواضح، من وجهة نظر اقتصادية، أنّه على رغم من أنّ المصارف كانت تتحمّل مسؤولية حماية الودائع، فإنّ المسؤولية النهائية عن فقدان المقابل للودائع بالعملات الأجنبية لدى المصارف التجارية تقع على عاتق المصرف المركزي، الذي استخدمها أساساً لدعم سعر صرف ثابت مبالغ في تقييمه. وبذلك، لم يفشل المصرف المركزي فقط في فرض ضرورة التزام المصارف التجارية بالممارسات الاحترازية والإدارة السليمة للمخاطر، بل استخدم أيضاً أسعار الفائدة المرتفعة والإقناع المعنوي لإغراء المصارف، بتجاهل الممارسات الاحترازية، وأصبحت عملية شائعة ومعروفة باسم «الهندسات المالية». وقد وصفها البنك الدولي بـ»مخطط بونزي» الذي انتهى بالانهيار، كما يحدث لجميع هذه المخططات.

 

 

 

وبما أنّ المصرف المركزي يخضع لإدارة مجلس يضمّ مديرين عامين للوزارات، وبما أنّ الحكومة تعيّن ممثلاً مقيماً خاصاً للإشراف على عمليات المصرف المركزي ورفع التقارير في شأنها، فإنّ الحكومة تتحمّل المسؤولية الكاملة عن خسارة ودائع المصارف والمودعين، حتى لو شاركت المصارف في تجاهل الممارسات الاحترازية السليمة. ولا يمكن تحميل المودعين الأبرياء المسؤولية. حكومات

 

لقد أدّت الهجمات الأخيرة على لبنان، والدمار الواسع، ونزوح ملايين اللبنانيين، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية وزيادة الحاجة الملحّة إلى معالجتها بفعالية.

 

 

 

لا يمكن معالجة مشكلة الودائع المجمّدة بمعزل عن غيرها، إذ إنّها مرتبطة بمشكلات أوسع في السياسات العامة. وهي تتطلّب برنامجاً إصلاحياً شاملاً شفافاً ومملوكاً وطنياً، يتمّ وضعه بالتشاور مع أصحاب المصلحة، بحيث يحظى بالدعم الوطني الواسع اللازم لنجاحه. ويجب أن يُبنى هذا البرنامج على أساس إحياء الثقة بالنظام المصرفي، من خلال إعادة السيولة الكاملة والفورية إليه، وتأمين الوصول الكامل والمسبق للمودعين إلى ودائعهم. وفي هذا السياق، ستكون إصلاحات النظام المصرفي لتعزيز الرقابة وضمان الإلتزام بالمعايير الدولية، بما في ذلك متطلبات رأس المال والممارسات الاحترازية، ذات أهمية قصوى. العربوشعوب الشرق الأوسط

 

 

 

1ـ انهيار الثقة: جرح مشترك

 

يكمن انهيار الثقة في صميم الأزمة الاقتصادية في لبنان. فعندما فَقَد المودعون إمكانية الوصول إلى مدخراتهم، تبدّدت الثقة بالمصارف وبالليرة اللبنانية. تعتمد المصارف بصورة أساسية على ثقة الجمهور:

 

فالودائع هي شريان حياتها، ومن دونها، لا يستطيع أي مصرف أن يُقرض أو يستثمر أو يعمل.

 

ويعتمد المودعون، من جهتهم، على المصارف لحماية مدخرات حياتهم وضمان السيولة عند الحاجة.

 

 

 

وعندما انكسر هذا العقد الضمني، عانى الطرفان ـ المودع مالياً، والمصرفي مؤسسياً. فقد تآكل رأس مال المصارف، وكذلك سمعتها. ولا يمكن لأي اقتصاد أن يعمل عندما يُنظر إلى النظام المصرفي على أنّه معسر وغير نزيه.

 

إنّ الاستعادة الكاملة والفورية للودائع وحدها هي التي يمكن أن تعيد بناء تلك الثقة، وأن تتيح للنظام المالي استعادة صدقيته والمساعدة في إحياء اقتصاد يحتضر.

 

 

 

2- الاقتصاد العامل يتطلّب قطاعاً مصرفياً عاملاً

 

لا يمكن لاقتصاد لبنان أن يتعافى من دون قطاع مصرفي سليم قادر على توجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج. ولكن من دون ثقة المودعين، ستبقى تلك المدخرات في الخارج أو تحت الفُرش خارج الاقتصاد الرسمي.

 

 

 

ومن ثم، فإنّ إعادة الودائع كاملة ليست «منة» على المودعين، بل استثمار في إعادة تأهيل النظام المالي الوطني. فالمصارف التي تسدّد لعملائها كامل حقوقهم ستستعيد الصدقية وإمكانية الوصول إلى ودائع جديدة. وهذه الودائع، بدورها، يمكن أن تموّل إعادة الإعمار والتجارة وإقراض الشركات الصغيرة ـ مولّدة الأرباح والسيولة اللازمة للمصارف لكي تتعافى بصورة مستدامة.

 

 

 

3- الشرعية الأخلاقية وسيادة القانون

 

يقوم النظام المالي العامل ليس على رأس المال فحسب، بل أيضاً على الشرعية الأخلاقية. ومن خلال حرمان المودعين من حقهم في الوصول إلى ودائعهم، يخاطر لبنان بتطبيع حالة انعدام سيادة القانون. إنّ حرمة الودائع ليست امتيازاً قابلاً للتفاوض؛ إنّها حق دستوري وحجر زاوية لأي اقتصاد متحضّر. وبالنسبة إلى المصرفيين، فإنّ الدفاع عن استعادة الودائع كاملة ليس عملاً خيرياً، بل هو عمل من أعمال الحفاظ على الذات. فهو يؤكّد مجدداً أنّ لبنان يحترم حقوق الملكية والعقود والأخلاقيات المالية – وهي مبادئ ضرورية لعودة المستثمرين في المستقبل، المحليين والأجانب على حدّ سواء. العربوشعوب الشرق الأوسط

 

 

 

4- حلول مشتركة لمصالح مشتركة

 

لذلك، ينبغي للمصرفيين والمودعين أن ينظروا إلى أنفسهم كشركاء في التعافي، لا كخصوم. وتكمن مصلحتهما المشتركة في الضغط من أجل خطة شاملة للتعافي الاقتصادي والمالي، تعيد السيولة إلى المصارف، لكي توفّر فوراً الوصول الكامل إلى الودائع .

 

 

 

إنّ إدخال إصلاح للعملة، بالاستفادة من تجارب فرنسا وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، مع إعادة إرساء سعر صرف تحدّده سوق القطع المحرر، في سياق برنامج إصلاح موثوق وشامل ومملوك وطنياً، قائم على إتاحة الوصول المسبق إلى جميع الودائع بسعر الصرف السوقي المحرّر، سيكون الخطوة الأولى في استعادة الثقة وإطلاق تعافي الاقتصاد. ونظراً إلى المشكلات المتعددة الأوجه التي تواجه لبنان على صعيد الاقتصاد الكلي والهيكلية والمؤسسات، فإنّ برنامجاً إصلاحياً شاملاً يعالج هذه المشكلات، هو وحده القادر على النجاح وعلى حشد الدعم الدولي. أما النهج التجزيئي فسيفشل حتماً. ولن تعود هذه الإصلاحات بالنفع على المودعين فحسب، بل ستمكّن المصارف أيضاً من إعادة بناء رأس مالها واستعادة السيولة لاستئناف عملياتها من دون انهيار.

 

 

 

5- كلفة الانقسام

 

إذا ظلّ المصرفيون والمودعون منقسمين، فسيخسر الطرفان. فانهيار المصارف سيقضي على المساهمين ويدمّر أي أمل في سداد الودائع. وعلى العكس، فإنّ أي محاولة للتضحية بالمودعين لإنقاذ المصارف ستقضي على النظام بصورة دائمة: فلن يعاود أحد إيداع أمواله في المصارف اللبنانية مرّة أخرى. ولذلك، فإنّ الوحدة بين المودعين والمصارف ليست خياراً بل ضرورة. ويجب على الطرفين أن يتحدثا بصوت واحد، للمطالبة بحل وطني يعيد الثقة والعدالة والفاعلية.

 

 

 

6- دور الحكومة حكومات

 

لقد أخفقت الحكومات المتعاقبة حتى الآن في تأمين حق المواطن من خلال سياسات عجّلت في حدوث الأزمة ثم فاقمتها لاحقاً. والتدابير التجزيئية التي أُعتمدت هي غير فعّالة بطبيعتها، وتأتي بنتائج عكسية في سياق أزمة لبنان، وتؤدي إلى مزيد من تآكل الثقة. ولا يمكن حل المشكلات التي تواجه لبنان من خلال استقبال الشخصيات الأجنبية البارزة وزيارتها، والمناقشات المتعثرة مع ممثلي المنظمات الدولية، ومؤتمرات الاستثمار الرمزية. فلن يستثمر أحد في بلد أثبت عجزه عن اتخاذ التدابير اللازمة لحل أزمة مستمرة منذ أكثر من 7 سنوات. العربوشعوب الشرق الأوسط

 

 

 

تتحمّل الحكومة الحالية والمصرف المركزي مسؤولية تحقيق التنسيق والتعاون مع المودعين والمصرفيين، وكذلك ممثلي المجتمع المدني، من أجل وضع البرنامج الوطني الشامل المطلوب وتنفيذه بصورة عاجلة. وسيساهم هذا البرنامج بالوصول الكامل والفوري إلى الودائع المصرفية، ويضع الاقتصاد على مسار التعافي، ويعيد إرساء الاستقرار المالي المستدام.

 

لقد حان الوقت لكي يساعد لبنان نفسه. عندها فقط، يُمكنه أن يستعيد الصدقية اللازمة، لتمكين المؤسسات الدولية ومجتمع المانحين من تقديم الدعم المالي اللازم لإنجاز الإصلاحات وإعادة بناء المناطق المدمّرة في ضواحي بيروت والجنوب.

 

 

 

7- نحو عقد اجتماعي ومالي جديد

 

إنّ الطريق إلى الأمام ليس صعباً إذا استند إلى المبدأ البسيط التالي: القطاع المصرفي اللبناني ومودعوه ينهضون معاً أو يسقطون معاً. ويمكن لنظام مُعادة هيكلته يقوم على الشفافية والحوكمة السليمة والاستعادة الكاملة والفورية للودائع، أن يصبح مرّة أخرى ركيزة للاستقرار والنمو الوطنيين. ولذلك، فإنّ للمصارف والمودعين مصلحة مشتركة في الاتحاد للمطالبة بإجراءات إصلاحية جادة وشاملة من جانب الحكومة، لمعالجة المشكلات الهيكلية والاقتصادية الكلية التي تواجه الاقتصاد اللبناني.

 

 

 

إنّ الاستعادة الكاملة والفورية للودائع ليست مجرد التزام مالي، بل هي الأساس الأخلاقي والاقتصادي لنهضة لبنان.