Beirut weather 24.1 ° C
تاريخ النشر February 2, 2026
A A A
مسارات النجاح الحكومية وتحديات التعطيل من الداخل..
الكاتب: صلاح سلام

كتب صلاح سلام في “اللواء”:

يبدو أنّ الحكومة نجحت، رغم كل التحديات الصعبة، في كسر حلقة التعطيل المزمن التي كبّلت عمل السلطة التنفيذية لسنوات، وتمكّنت من إيجاد هوامش حركة فاعلة مكّنتها من الالتفاف على محاولات العرقلة، سواءٌ الصادرة عن معارضين تقليديِّين أو عن أطراف مشاركة في الحكومة نفسها، أو حتى عن قوى سبق أن منحتها الثقة مرتين: مرة عند إقرار البيان الوزاري، ومرة ثانية في جلسة المناقشة العامة في ١٦ تموز الماضي(٦٩ مقابل ٩ معارضين وامتناع ٤). هذا التحوّل لا يمكن التقليل من دلالاته، لأنه يعكس انتقال الحكومة من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، ولو ضمن توازنات معقدة وحسّاسة.

الإنجاز الأبرز في مسار النجاحات الحكومية الأخيرة تمثّل في إنجاز مشروع قانون الفجوة المالية وإحالته إلى مجلس النواب، قبل نهاية العام المنصرم، وهو ملف شكّل لسنوات طويلة خطاً أحمر سياسياً وشعبوياً، رغم كونه المدخل الإلزامي لأي معالجة جدّية للانهيار المالي، وحماية ما تبقّى من حقوق المودعين. مجرد وضع هذا الملف على السكة التشريعية، بعد سنوات من المراوحة والإنكار، عزَّز ثقة المؤسسات المالية الدولية بالحكومة، وأعاد النقاش المالي إلى إطاره الواقعي، بعيداً عن الشعارات البرّاقة التي أغرقت البلاد في الأوهام.
ويوازي ذلك إقرار مشروع الموازنة بعد جلسات نيابية ماراتونية، أعادت، ولو نسبياً، الاعتبار لدور المؤسسات الدستورية في النقاش والمساءلة. فالموازنة، رغم ثغراتها، تبقى أداةً لا غنى عنها لتنظيم المالية العامة وضبط الإنفاق. وما أعطى هذا المسار بُعداً اجتماعياً إضافياً هو تفهُّم رئيس الحكومة نواف سلام لمطالب موظفي القطاع العام، من مدنيين وعسكريين، ومعلمين ومتقاعدين، المحقة بتحسين رواتبهم، وذلك بعد درس سُبل تأمين موارد إضافية للموازنة، تجنّباً للوقوع في دوامة العجز مرة أخرى. وكان رد وزير المالية على محاولات بعض النواب إستغلال التحركات المطلبية في الشارع حاسماً عندما رفض في كلمته المفصلية،العودة إلى المزايدات الشعبوية التي رافقت إقرار سلسلة الرتب والرواتب عام ٢٠١٧، وعشية إنتخابات ٢٠١٨، والتي أدت إلى إنهيار مالية الدولة.
وفي اليوم التالي لإقرار الموازنة حققت الحكومة إنجازاً وطنياً آخر، حيث أقرت في جلستها الأخيرة إطار إعادة الإعمار والتعويض على العائلات المتضررة، في إشارة إلى أن الدولة، رغم ضعفها، لا تزال تحرص على تحمّل مسؤولياتها تجاه مواطنيها، ضمن الإمكانيات المتاحة، وإلى حين وصول المساعدات الخارجية، بعد إنهاء ملف سلاح حزب االله، ووقف الغارات الإسرائيلية، وعودة الأمن والإستقرار إلى الجنوب وكل المناطق التي يستهدفها العدو الإسرائيلي، خاصة المواقع الحدودية التي سينسحب منها.

أما الخطوة ذات البُعد السياسي والإستراتيجي، فتمثّلت في فتح باب التعاون الرسمي مع دمشق عبر وضع ملف المساجين السوريين على طاولة المعالجة الجدّية. قرار مجلس الوزراء القاضي بتسليم المساجين السوريين المحكومين إلى السلطات السورية لاستكمال محكومياتهم في بلادهم، وفق الأصول المتّبعة مع سائر الدول، يشكّل مقاربة عقلانية لملف شائك طالما استُخدم في بازار المزايدات السياسية. قرار الحكومة الجريء ليس من شأنه أن يخفّف الإزدحام والأعباء الإضافية في السجون اللبنانية وحسب، بل ولعل هذا الأهم، يُعيد الحرارة إلى العلاقات الأخوية بين بيروت ودمشق، على قاعدة الثقة والإحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤون الآخر، وبما يحفظ للبنان دوره المفترض في ورشة إعمار سوريا.
تراكم هذه الخطوات، على محدوديتها قياساً بحجم الانهيار، يوفّر زخماً سياسياً مطلوباً للعهد والحكومة معاً، ويفتح نافذة لمقاربة الاستحقاقات الأكثر حساسية. وفي مقدّمة هذه الاستحقاقات يأتي استكمال مسار تنفيذ حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وهو ملف لا يحتمل التمييع أو التأجيل، لأنه يمثّل حجر الزاوية في استعادة مفهوم الدولة وسيادتها، وفي إعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية.
كذلك فإن النجاحات المتتابعة للحكومة، وما توفره من إندفاعة متجددة للعهد ستساعد على إنجاز إستحقاق الإنتخابات النيابية الوشيكة بهدوء وشفافية، على غرار ما حصل في الإنتخابات البلدية، يما يوفر إضافة مهمة للثقة الداخلية والخارجية، بقدرة السلطة الشرعية على مواجهة التحديات المختلفة، عندما تتوفر الإرادة الصلبة، والرؤية الواحدة عند المرجعيات الرئاسية.
ولا بُدَّ من الإعتراف بأن ما تحقق حتى الآن لا يشكّل إنجازاً نهائياً ولا خروجاً كاملاً من النفق، لكنه كسر حلقة الشلل، وأعاد تحريك عجلة الدولة في الاتجاه الصحيح والسليم. غير أن الحفاظ على هذا المسار يتطلّب إرادة سياسية متماسكة، واستمرارية في اتخاذ القرارات الصعبة، لأن أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس حجم التحديات، بل احتمال التراجع أمام الضغوط، وإعادة إنتاج منطق التعطيل من داخل السلطة نفسها، كما حصل في معارضة نواب القوات اللبنانية، وأحزاب أخرى مشاركة في الحكومة، عند التصويت على الموازنة.
الفرصة المتاحة اليوم لتحقيق المزيد من النجاحات نادرة وهشّة، ومحاصرة بالتحديات والخلافات من كل حدب وصوب، ولكن أي تفريط بها سيعيد البلاد سريعاً إلى نقطة الصفر. في لحظة كهذه، لا يُقاس النجاح بعدد القرارات المتّخذة، بل بالقدرة على حماية القرار، والمضي بتنفيذه حتى النهاية، لأن أنصاف الحلول لم تعد كافية لإنقاذ دولة تقف عند حافة الاختبار الأخير.