Beirut weather 14.1 ° C
تاريخ النشر January 21, 2026
A A A
مؤتمر باريس سيكون إختباراً لمصداقية المجتمع الدولي تجاه لبنان وجيشه
الكاتب: حسين زلغوط - اللواء

في الخامس من آذار المقبل، تستضيف فرنسا مؤتمراً دولياً لدعم الجيش اللبناني، في لحظة شديدة الخطورة، ووسط واقع داخلي لبناني بالغ التعقيد. المؤتمر، في توقيته وأهدافه المعلنة، يضع المؤسسة العسكرية مجدّداً في واجهة الاهتمام الدولي، لكن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يشكّل هذا الاستحقاق جهداً دولياً حقيقياً لإنقاذ الجيش وتعزيز دوره؟ أم أنه سيبقى، كما سابقاته، أسير البيانات الختامية والالتزامات النظرية التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ وبالتالي تبقى حبرا على ورق؟
لا شك ان هذا المؤتمر حدّد موعد انعقاده فيما يواجه الجيش اللبناني تحدّيات غير مسبوقة، تبدأ من الضائقة المالية الخانقة التي أرهقت عناصره وضباطه، مروراً بتراجع قدراته اللوجستية والتسليحية الى حد ما، ولا تنتهي عند الأعباء الأمنية المتصاعدة في الداخل وعلى الحدود الجنوبية والشرقية. فالجيش، الذي لطالما اعتُبر آخر أعمدة الدولة، يقف اليوم في قلب عاصفة سياسية وأمنية واقتصادية، تجعله مطالباً بأدوار تفوق إمكاناته الفعلية، على الرغم من الجهود الكبيرة التي يبذلها في سبيل القيام بواجبه.

فعلى المستوى الداخلي، يراهن المجتمع الدولي على الجيش بوصفه الضامن الأساسي للاستقرار ومنع الانزلاق إلى أية أحداث مهما كان نوعها. غير أن هذا الرهان يصطدم بحقيقة أن دعم المؤسسة العسكرية لا يمكن أن يكون فعّالاً إذا اقتصر على مساعدات ظرفية أو رواتب مُجزأة، من دون رؤية متكاملة تعالج جذور الأزمة، وتؤمّن استدامة الدعم بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة.
أما على المستوى الإقليمي، فيأتي مؤتمر باريس على وقع التهديدات الإسرائيلية المتصاعدة بالحرب على لبنان. فإسرائيل لا تخفي استعدادها الدائم للتصعيد العسكري، وتربط أي هدوء على الجبهة مع لبنان بمعادلات أمنية معقّدة، تضع الجيش اللبناني أمام اختبار صعب: كيف يمكن لمؤسسة تعاني نقصاً حادّاً في العتاد والتمويل أن تضبط حدوداً مشتعلة، وتمنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة، في ظل تفوّق عسكري إسرائيلي واضح؟

في هذا السياق، يُعاد طرح دور لجنة «الميكانيزم» الموجودة لمراقبة وقف الأعمال العدائية وتنفيذ التفاهمات الأمنية في الجنوب، وهي إطار يجمع لبنان واسرائيل و«اليونيفيل» تحت رعاية أميركية وفرنسية. هذه اللجنة، التي يُفترض أن تشكّل مظلة تنسيق وضمانة للاستقرار، تواجه انتقادات متزايدة لجهة فعاليتها وقدرتها على ردع الخروقات الإسرائيلية المتكررة. ويجد الجيش اللبناني نفسه في موقع بالغ الحساسية، إذ يُطلب منه الالتزام بالتهدئة وضبط الميدان، في وقت لا يملك فيه أدوات الضغط أو الردع الكافية، فيما تبقى الاعتداءات الإسرائيلية خارج أي محاسبة فعلية.
من هنا، يكتسب مؤتمر دعم الجيش أهمية استثنائية، لأنه لا يمكن فصله عن النقاش الأوسع المتعلق بدور الجيش في المعادلة الأمنية الشاملة، وبمسألة حصرية السلاح بيد الدولة. فالدعم الدولي للجيش غالباً ما يرتبط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بهذا العنوان، الذي يشكّل أحد أعقد الملفات اللبنانية وأكثرها حساسية. المجتمع الدولي يكرر دعوته إلى تعزيز قدرات الجيش ليكون الجهة الوحيدة المخوّلة حماية الحدود وحفظ الأمن، لكن هذه الدعوة تبقى نظرية ما لم تُرفق بإجراءات عملية تتيح للمؤسسة العسكرية القيام بهذا الدور فعلياً.
وهنا الإشكالية الأساسية تكمن في أن حصرية السلاح ليست مسألة تقنية أو عسكرية فقط، بل هي قضية سياسية بامتياز، مرتبطة بتوازنات داخلية وإقليمية متشابكة، وبالتالي، فإن تحميل الجيش وحده عبء هذا الملف، من دون توفير الغطاء السياسي الداخلي والدعم الدولي الجادّ، قد يضعه في مواجهة تحدّيات تفوق قدرته على الاحتمال، بل وقد تهدّد تماسكه ودوره الوطني، فالتجارب السابقة لمؤتمرات دعم لبنان والجيش لا تبعث على الكثير من التفاؤل. فغالباً ما انتهت تلك المؤتمرات بتعهدات سخيّة على الورق، سرعان ما اصطدمت بعوائق التنفيذ، أو خضعت لشروط سياسية معقّدة، أو تلاشت مع تغيّر الأولويات الدولية. وفي كل مرة، كان الجيش اللبناني يدفع ثمن هذا التردد الدولي، عبر تآكل قدراته وتراجع معنويات عناصره.
لكن في المقابل، يرى البعض أن الظروف الحالية قد تفرض مقاربة مختلفة، فالمخاوف الدولية من عودة الحرب بين لبنان وإسرائيل، قد تدفع باتجاه دعم أكثر جدّية وواقعية للجيش، باعتباره خط الدفاع الأخير عن الاستقرار. كما أن فرنسا، التي تقود هذا الجهد، تحاول إعادة تثبيت دورها كلاعب أساسي في الملف اللبناني، من خلال ربط دعم الجيش بمقاربة أمنية وسياسية أوسع.
يبقى السؤال: هل يترجم هذا التوجه إلى خطوات ملموسة؟ الدعم الحقيقي للجيش لا يقتصر على مساعدات غذائية أو رواتب موقتة، بل يتطلب برنامجاً متكاملاً يشمل تحديث العتاد، تعزيز القدرات الدفاعية، دعم التدريب، وتأمين استقرار مالي مستدام للعسكريين. كما يتطلب، في الوقت نفسه، موقفاً دولياً أكثر حزماً حيال الخروقات الإسرائيلية، بما يعزز موقع الجيش ولا يضعه في موقع الشاهد العاجز.
يبدو أن مؤتمر الخامس من آذار سيكون، في جوهره، اختباراً لمصداقية المجتمع الدولي تجاه لبنان وجيشه. فإما أن يشكّل نقطة تحوّل حقيقية، تُعيد الاعتبار للمؤسسة العسكرية وتمنحها الأدوات اللازمة للقيام بدورها في ظل التهديدات الإسرائيلية وتعقيدات «الميكانيزم» وحساسية ملف حصرية السلاح، وإما أن ينضم إلى لائحة طويلة من المؤتمرات التي رفعت سقف الآمال، ثم تركت الواقع اللبناني يواجه مصيره وحده، فالجيش اللبناني الذي يقف الآن في منتصف الطريق، ينتظر أفعالاً لا أقوالاً، ودعماً يتجاوز المجاملات الدبلوماسية، لأن أي فشلا جديدا في هذا المسار لن يكون مجرد إخفاق مؤتمر، بل ضربة قاسية لما تبقّى من استقرار الدولة اللبنانية.