Beirut weather 17.99 ° C
تاريخ النشر February 17, 2026
A A A
لماذا لم يُدرج الـ Bail-in في قانون الانتظام المالي؟
الكاتب: ماهر سلامة - الأخبار

 

في خطة حكومة حسان دياب عام 2020 التي سمّيت خطّة «لازار»، كان هناك اعتراف صريح بخسائر المصارف وتغطيتها بالرساميل أولاً ثم إعادة هيكلة الميزانيات. وفي المسودات اللاحقة التي نوقشت مع صندوق النقد الدولي، طُرحت بوضوح فكرة شطب رساميل المساهمين، وربط أي دعم عام بإعادة رسملة داخلية مسبقة.

حتى إن مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف الذي طرحه نائب رئيس الوزراء السابق سعادة الشامي، تضمّن فكرة إعادة الرسملة من الداخل أيضاً. في كل هذه المحاولات، كان منطق «الإنقاذ من الداخل» (Bail-in) حاضراً، لكن المفارقة أن قانون الفجوة المالية الحالي يشكّل خروجاً واضحاً عن هذا المسار، لأنه يتعامل مع الخسائر ككتلة رقمية تُوزَّع سياسياً من دون فرض مسار مؤسسي لذلك، حتى لو كان ذلك جزءاً من التوصيات العامّة لمؤسّسات التمويل الدولية التي تحاول الحكومة الحالية، كما سابقاتها، تلبية طلباتها.

فكرة الـbail-in أو الإنقاذ من الداخل بسيطة نسبياً. فعندما يصبح المصرف مفلساً أو شبه مفلس، يُعاد ترتيب التزاماته من الداخل بدلاً من استخدام أموال الدولة للإنقاذ من الخارج. المساهمون يخسرون أولاً، ثم تتحمّل أدوات الدين الثانوية، ثم الدائنون غير المضمونين، جزءاً من الخسارة، عبر شطب ديونهم أو تحويلها إلى أسهم في المصرف. بهذه الطريقة يُعاد تكوين رأس المال من داخل الميزانية، ويستمر المصرف بالعمل من دون تحميل الخسارة للمالية العامة.

توصية دولية
لم يأتِ التحوّل نحو الإنقاذ من الداخل من فراغ. بعد أزمة 2008، اكتشفت الدول أن إنقاذ المصارف بأموال عامة يخلق حلقة مفرغة، المصارف تخاطر وتربح في سنوات الرواج، لكنها تنقل خسائرها إلى الدولة عند الانهيار.

لذا، بدأ الاتجاه نحو فرض تحمّل الخسارة على القطاع الخاص نفسه. يقول صندوق النقد الدولي، في ورقة نشرها عام 2012 بعنوان «من خطة الإنقاذ إلى خطة إعادة الهيكلة: إعادة هيكلة الديون الإلزامية للمؤسسات المالية النظامية»، أن وجود سلطة قانونية لفرض إعادة هيكلة الديون داخل المصارف هو عنصر جوهري في أي إطار حديث لمعالجة الأزمات، لأنه يحدّ من اللجوء إلى المال العام ويكسر منطق المؤسّسات «الأكبر من أن تفشل» الذي ساد بشكل أساسي خلال أزمة 2008 العالمية، خصوصاً عندما قررت الولايات المتحدة الأميركية إنقاذ عدد من المصارف عبر ضخّ الأموال العامّة فيها لتجنّب إفلاسها. المسألة لا تتعلق بمعاقبة المودعين، بل بإعادة توزيع الخسائر وفق ترتيب قانوني واضح يبدأ برأس المال وينتهي، عند الضرورة القصوى، بأدوات الدين غير المضمونة.

بالتوازي، يؤكد بنك التسويات الدولية، في ورقة نشرها بعنوان «إدارة الأزمات المصرفية في اقتصادات الأسواق الناشئة»، أن الـ bail-in أصبح جزءاً من «صندوق الأدوات القياسي» لإدارة الأزمات المصرفية، حتى مع الاعتراف بصعوبات تطبيقه في الاقتصادات الصغيرة أو ذات الأسواق المالية الضحلة. يقول البنك إنه عندما يفشل مصرف، يجب أن يُعاد بناؤه من الداخل قبل التفكير في اللجوء إلى المال العام.

حكومة منحازة
في لبنان، يعترف الجميع بوجود فجوة ضخمة في رسملة القطاع المصرفي. لكن قانون الفجوة المالية، بصيغته المتداولة، لا يضع إطاراً متكاملاً لإعادة هيكلة المصارف وفق منطق إعادة الرسملة من الداخل. والأهم أن القانون لا يوجِد تسلسلاً قانونياً صارماً لتحمّل الخسائر يبدأ بالمساهمين وينتقل تدريجياً إلى أدوات الدين (أهمها الودائع).

لا توجد آلية واضحة لتحويل المطلوبات المؤهلة إلى رأسمال. وبدلاً من ذلك، يجري الحديث عن «توزيع الخسائر» بصورة سياسية، من دون نظام مؤسّساتي يعيد تكوين المصارف ككيانات قابلة للاستمرار.

ورفض فكرة الـ bail-in يعود إلى سببين. الأول هو رفض أصحاب المصارف تحمّلاً إضافياً لمسؤولية الأزمة التاريخية التي أصابت القطاع نهاية العقد الماضي. ويستند هؤلاء على عدّة أفكار، لكن أهمّها هو تحميل الدولة مسؤولية إضاعة الودائع بسبب الاستدانة. مع العلم أنهم استفادوا بأرباح طائلة من النموذج الذي أدّى بالقطاع إلى الانهيار.

مشروع قانون الفجوة المالية لا يضع إطاراً متكاملاً لإعادة هيكلة المصارف وفقاً لمنطق إعادة الرسملة من الداخل

أما السبب الثاني فهو سبب طائفي. إذ إن عملية إعادة الرسملة من الداخل، تعني أن أصحاب الودائع سيصبحون شركاء مساهمين في القطاع المصرفي. والخوف هنا هو من أن تركّز الودائع لدى بعض الطوائف ينعكس بشكل مباشر على هيكلية أصحاب المصارف الطائفية. لذلك، يشكّل هذا الأمر عامل ضغط على الحكومة في هذا التفصيل. فتقع هذه الأخيرة في أزمة بين المنطق الطائفي السائد في البلد، وبين التوصيات الدولية لمعالجة الأزمات. لكن من الواضح أنه في نهاية الأمر كانت الغلبة للضغوطات الطائفية.

لكن الثابت الوحيد هو أنه إذا لم تُعالَج الخسائر داخل ميزانيات المصارف، فإنها ستنتقل، بشكل أو بآخر، إلى الدولة، والقانون يوضح هذه الفكرة، إذ إن الدولة ستتحمل جزءاً كبيراً من عبء سداد الودائع. قد يحصل ذلك عبر تحميل مصرف لبنان مزيداً من الأعباء، أو عبر استنزاف الاحتياطات، أو عبر تآكل قيمة العملة، أو عبر ضرائب مستقبلية. في كل الحالات، يتحمّل المجتمع الكلفة.

قبرص نموذجاً
التوصيات الدولية ليست حديثاً نظرياً فقط، بل طُبّقت عملياً في أوروبا، وأبرز مثال على ذلك تجربة قبرص عام 2013. في تلك المرحلة، كانت المصارف القبرصية قد تكبّدت خسائر ضخمة نتيجة انكشافها على السندات اليونانية وسوء الإدارة وتراكم المخاطر. لسنوات، حاولت السلطات تأجيل المواجهة عبر ضخ سيولة طارئة والاستعانة بتمويل مؤقت، لكن الخسائر تضخّمت. تشير دراسة مفصلة عن الأزمة القبرصية إلى أنه بحلول عام 2013 بلغت الفجوة في القطاع المصرفي أكثر من 130% من الناتج المحلي.

عند هذه النقطة، لم يعد ممكناً إنقاذ المصارف بأموال الدولة، ففُرض حلّ يقوم على تصفية أحد أكبر المصارف وإعادة رسملة الآخر عبر تحويل جزء كبير من الودائع غير المضمونة إلى أسهم. وقد تمثّلت العملية بتحويل نحو 47.5% من الودائع التي تفوق 100 ألف يورو إلى أسهم في المصارف.

تجربة قبرص كانت قاسية ومثيرة للجدل. لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن إعادة الرسملة حصلت من داخل المصارف، لا من خزينة الدولة. لم تتحوّل الخسارة إلى دين سيادي دائم، بل أُعيد تشكيل القطاع المصرفي عبر تحميل أصحاب العلاقة المباشرة جزءاً من الكلفة. وهي تُظهر أيضاً أن التأخير يضاعف الكلفة، وأن الحلول المفروضة بعد استنفاد الوقت تكون أشدّ قسوة.

طبعاً، تطبيق الـ bail-in في لبنان أكثر تعقيداً مما كان في قبرص. طبيعة الودائع، غياب أدوات دين قابلة للتحويل، وضعف أسواق رأس المال، كلها عوامل تجعل التنفيذ صعباً. لكن التعقيد لا يبرّر غياب الإطار القانوني. على العكس، في نظام يعاني من فجوة رسملة هائلة، يصبح وجود آلية واضحة لإعادة توزيع الخسائر داخل المصارف شرطاً أساسياً لأي معالجة جدّية.

المفارقة أن الحكومة تعلن التزامها بتوصيات صندوق النقد وتؤكد اعتماد «أفضل الممارسات الدولية». غير أن إحدى أهم هذه الممارسات، أي وجود آلية bail-in واضحة، لا تظهر بوضوح في نص قانون الفجوة المالية. وهذا يطرح تساؤلاً حول الهدف الفعلي للقانون، فهل هو إعادة هيكلة القطاع المصرفي وفق قواعد حديثة، أم إدارة الخسارة سياسياً وتأجيل المواجهة؟