Beirut weather 13.41 ° C
تاريخ النشر February 26, 2026
A A A
لماذا إعادة الاعتبار لمفهوم خدمة القطاع العام في لبنان وتحرير الدولة من سطوة المال؟
الكاتب: د. سمير حسن عاكوم

كتب د. سمير حسن عاكوم في “اللواء”:

منذ مطلع التسعينات شكّل مسار إعادة بناء الدولة اللبنانية بعد الحرب الأهلية تجربة استثنائية في تاريخ الكيان اللبناني الحديث. ولا يمكن لأي قراءة منصفة لتلك المرحلة أن تتجاهل الدور الذي اضطلع به الرئيس الشهيد رفيق الحريري في إعادة إعمار ما تهدّم وفي الاستثمار الكثيف في التعليم عبر إيفاد عشرات آلاف الطلاب من مختلف المناطق والطوائف إلى الجامعات ليكونوا رافعة مشروع وطني طموح. لقد جمع الرجل بين شبكة علاقات دولية واسعة وقدرة مالية كبيرة ورؤية لإعادة إدماج لبنان في الاقتصاد العالمي.

غير أنّ التجارب الوطنية الكبرى مهما كانت نواياها تحتاج إلى مراجعة نقدية دورية لا بهدف الهدم أو التنكّر بل بقصد التصحيح والتطوير. فإعادة إطلاق مشروع الدولة اليوم يقتضي العودة إلى سؤال جوهري، هل يمكن لرجل الأعمال بمنطقه وأدواته أن يقود دولة خارجة من حرب أهلية تسعى إلى تثبيت مفاهيم الدستور والقانون والمؤسسات؟ أم أنّ ثمة تعارضاً بنيوياً بين منطق السوق ومنطق الدولة؟
يروي أحد أهم المشاركين في صياغة اتفاق الطائف أنّ اعتراضه في مطلع التسعينات على تولي رجل أعمال بارز قيادة مرحلة تطبيق الدستور وإعادة بناء المؤسسات ارتكز على ثلاثة اعتبارات أساسية. أولها غياب الخبرة في إدارة الشأن العام بما يتطلبه من فهم لتعقيدات الإدارة العامة وتوازناتها المؤسساتيّة. ثانيها النشأة السياسية والاجتماعية في بيئة تختلف في قِيّمها وممارساتها عن البيئة اللبنانية لا سيما لجهة ترسيخ ثقافة حكم الدستور والمؤسسات. أما الثالث وهو الأعمق فيتصل بمنطق الربح والخسارة الذي يحكم عالم الأعمال والذي قد يتعارض مع فلسفة بناء مؤسسات عامة تكاملية هدفها تحقيق الصالح العام لا تعظيم العائد الخاص.
هذا التباين لم يُعالَج على نحو مؤسساتي بل اندمج مع واقع لبناني مأزوم حيث تزاوج المال مع الميليشيا في صيغة حكم هجينة. نشأ تحالف بين زعماء الحرب ورجال الأعمال، تحالفٌ أدار الدولة بمنطق تقاسم الحصص لا بمنطق السياسات العامة. فالإدارات خضعت لتوازنات ثنائية وثلاثية والوظيفة العامة تحوّلت إلى غنيمة والقرار الوطني بات رهينة شبكة مصالح متداخلة.
في هذا السياق تراجعت «الميثاقية القيمية» المنصوص عليها في مقدمة الدستور لصالح «ميثاقية عددية» تقوم على توزيع المغانم بين احتكارات زعماء الطوائف. وأصبح مفهوم سيادة القانون انتقائياً يُطبّق على الضعفاء فيما يُعفى أصحاب النفوذ. هكذا تحوّلت الدولة من إطار جامع إلى ساحة نفوذ ومن مؤسسة راعية إلى أداة إدارة مصالح خاصة فوق القانون.
شهد اللبنانيون كما العالم مرحلة انتفاخ اقتصادي غير مضبوط قائم على تدفقات مالية سريعة وسياسات نقدية ومالية ذات طابع ريعي. ارتفعت مؤشرات النمو ظاهرياً وازدهر قطاع الخدمات والمصارف والعقارات وبدت بيروت وكأنها تستعيد دورها الإقليمي. غير أنّ هذا النمو لم يكن مستنداً إلى قاعدة إنتاجية صلبة ولا إلى إدارة رشيدة للمالية العامة. كانت الثقة تتعاظم إلى حدّ الغرور وجرى الترويج لنموذج اقتصادي قُدّم باعتباره «معجزة» قابلة للتصدير.

لكن ما بُني على اختلالات بنيوية لا بد أن ينهار. فجاء السقوط مدوياً سريعاً وعميقاً إلى حد غير مسبوق في التاريخ الحديث. انهارت العملة وتبخرت الودائع وشُلّت مؤسسات الدولة. وتكشّف أن السلطة بعدما همّشت مفهوم الدولة وأضعفت أدوات الرقابة والمحاسبة نجحت في إدارة منظومة سمحت بهدر المال العام والخاص معاً.
في قلب هذا الإشكال يبرز مفهوم محوري «خدمة القطاع العام» هذا المفهوم في الدول الراسخة يعني أن المسؤول مهما علا شأنه هو موظف لدى الشعب. يتقاضى راتباً مقابل أداء خدمة عامة ويخضع للمساءلة ويعيش ضمن نمط حياة يعكس انتمائه إلى الطبقة الوسطى التي تشكّل العمود الفقري لأي مجتمع متوازن. فالسياسة هناك ليست باباً للثراء بل مجالاً لتحمّل المسؤولية.
أما في التجربة اللبنانية فقد اختلطت صورة المسؤول بصورة صاحب الثروة والجاه. باتت المظاهر، المواكب الضخمة، الحراسات المبالغ فيها، الطائرات الخاصة واليخوت جزءاً من تعريف «الهيبة» العاديّة! وتحوّل المنصب العام إلى امتداد لمكانة اجتماعية بعد المالية لا إلى وظيفة تكليفية. حتى صارت «الهوبرة» معياراً للقوة في غياب هيبة الدولة الفعلية.
في المقابل تكشف تجارب الدول المتقدمة أن الوزير أو النائب ينتمي غالباً إلى الطبقة الوسطى، يتنقل بوسائل اعتيادية ويخضع لقواعد صارمة في الإنفاق العام. يُنظر هناك إلى التقشف في المظاهر بوصفه احتراماً للمال العام لا انتقاصاً من المقام. أما في لبنان فقد أصبح الإنفاق الاستعراضي جزءاً من الثقافة السياسية السائدة بما يعمّق الفجوة بين المواطن والدولة.
لا يعني هذا الطرح التقليل من أهمية الاستثمار أو شيطنة رجال الأعمال. فالاقتصاد الحديث يقوم على المبادرة الفردية وجذب الاستثمارات ضرورة لأي نمو مستدام. غير أنّ الخلط بين موقع المستثمر وموقع المسؤول العام يؤدي إلى تضارب مصالح بنيوي يقضي على الأثنين. فرجل الأعمال بحكم تكوينه يسعى إلى تعظيم مكاسبه الخاصة وهو حق مشروع في إطار السوق. أما المسؤول العام فمهمته تعظيم المنفعة العامة ولو تعارض ذلك مع مصالح فئات نافذة.
عندما يضعف مفهوم «خدمة القطاع العام» تتسع المسافة أمام منطق الخصخصة غير المنضبطة، وبيع الأصول العامة ومصادرة الأملاك العامة وإدارة الدولة كأنها شركة خاصة. وفي غياب مؤسسات رقابية مستقلة يصبح المجال مفتوحاً لتغليب المصالح الخاصة على حساب حقوق المواطنين في التعليم والصحة والنقل والإسكان والعدالة.
إنّ استعادة الدولة تبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين المال والسلطة. المطلوب ليس إقصاء رجال الأعمال عن الحياة العامة بل إعادة تموضعهم في دورهم الطبيعي كمستثمرين وشركاء في التنمية لا كبديل عن الدولة. فالدولة في جوهرها ليست مشروعاً استثمارياً بل إطاراً دستورياً ضامناً للحقوق وحارساً للمصلحة العامة.
من هنا تبرز مهمة قوى «التغيير البنائي الجديدة» إعادة الاعتبار لمفهوم «خدمة القطاع العام» عبر إصلاحات تشريعية وبرامج تعليمية وإعلامية تعيد ترسيخ ثقافة المواطنة والمساءلة. المطلوب إعادة بناء الطبقة الوسطى بوصفها الحاضنة الاجتماعية للاستقرار السياسي. كما يتطلب الأمر إصلاح ان لم نقل اعادة بناء الإدارة العامة وتحقيق استقلال القضاء، وضبط تضارب المصالح وفرض شفافية صارمة في إدارة المال العام.
لبنان اليوم أمام خيار تاريخي، يمكنه الاستمرار في نموذج تحالف المال والسلاح القائم بما يحمله من اختلالات وتبعيّة يوصل الى الإندثار، أو يمكنه أن يختار مساراً طويل النفس نحو دولة الحقوق الدستورية السيادية، الدولة الراعية التي توازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
قد يكون الطريق شاقاً وضد التيار المسيطر لكن التجارب تُظهر أن بناء الدولة لا يتم بالسرعة بل بالثبات والتراكم. فمن أراد أن يذهب سريعاً قد يذهب وحيداً كرجل أعمال، أما من أراد أن يذهب بعيداً فعليه أن يسير ضمن جماعة متجانسة تؤمن بقيّم مشتركة وعمل مؤسساتي. ولبنان إذا أراد أن يذهب بعيداً ليأخذ مكانه بين دول المنطقة يحتاج إلى استعادة بوصلته كدولةٌ يكون فيها المسؤول خادماً للصالح العام لا سيداً عليه، ويعود فيها رجال الأعمال إلى دورهم الطبيعي في الاستثمار والتنمية التي يحتاجها لبنان تحت سقف القانون والمؤسسات.